الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ مارس-٢٠٢٦       10670

بقلم - د. مها ياسر

حين يُخيَّر الموظف المغترب بين الظرف القاهر وسيف الانقطاع عن العمل

في ظل التوترات الأمنية والتطورات المتسارعة التي تشهدها بعض الدول في الشرق الأوسط، ومع احتمالات إغلاق المجالات الجوية أو تعليق الرحلات بصورة مفاجئة نتيجة ظروف عسكرية او اضطرابات ، يجد عدد من الموظفين المغتربين أنفسهم أمام معادلة قاسية لم يختاروها.

إجازة سنوية اعتيادية قد تتحول إلى مخاطرة غير محسوبه العواقب.
وزيارة أسرية قد تُقابل بتحذير إداري حاسم: “في حال عدم العودة في الموعد المحدد سيُعتبر ذلك تغيبًا وانقطاعًا عن العمل.”

هنا لا اتحدث عن تقصير مهني أو إخلال متعمد بالالتزام الوظيفي، بل عن احتمال واقعي لظرف قاهر خارج عن إرادة الموظف، كإغلاق المجال الجوي أو تعليق الرحلات أو تعذر التنقل لأسباب أمنية.

ومع ذلك، تصر بعض إدارات الموارد البشرية على تحميل الموظف كامل المسؤولية، متجاهلة مبدأً قانونيًا مستقرًا في مختلف الأنظمة التشريعية: لا التزام مع استحالة التنفيذ.

مفهوم القوة القاهرة في القانون

القوة القاهرة، وفق الفقه القانوني المقارن، هي كل حادث غير متوقع ولا يمكن دفعه ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً.

وإغلاق الأجواء أو تعليق الطيران نتيجة أحداث طارئة يدخل صراحة ضمن هذا المفهوم.

كما أن معايير العمل الدولية، وعلى رأسها اتفاقية إنهاء الاستخدام رقم 158 الصادرة عن منظمة العمل الدولية، تحظر الفصل التعسفي دون سبب مشروع، وتشترط أن يكون الإنهاء مبنيًا على مبرر حقيقي يتعلق بأداء العامل أو سلوكه، لا بظروف خارجة عن إرادته.

إضافة إلى ذلك، تنص معظم قوانين العمل في دول المنطقة على:
    •    حق العامل في الإجازة السنوية باعتباره حقًا أصيلًا.
    •    التدرج في الجزاءات التأديبية.
    •    بطلان أي عقوبة لا تتناسب مع الفعل المنسوب للعامل.

وبالتالي، فإن اعتبار التأخر الناتج عن ظرف قاهر  “انقطاعًا إراديًا” يمثل تأويلاً متعسفًا للنصوص القانونية، ويقترب من مفهوم إساءة استعمال السلطة الإدارية.

تعسف إداري… وما خفي كان أعظم

الأمر لا يقف عند حدود التحذيرات الرسمية، بل يتجاوزها أحيانًا إلى ضغوط شفوية غير موثقة، تُستخدم فيها لغة التهديد الضمني بفقدان الوظيفة أو التأثير على المسار المهني.

وما خفي كان أعظم.

فهذه الممارسات، إن صحت، تعكس خللاً في فلسفة إدارة الموارد البشرية، التي يفترض أن تقوم على التوازن بين مصلحة المؤسسة وكرامة الإنسان، لا على فرض معادلات قسرية بين الأمان الأسري والاستقرار الوظيفي.

وهنا يتردد المعنى القرآني العميق:
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ (سورة الطور: 37).
لا أحد يملك خزائن الأقدار، ولا يسيطر على مجريات الأحداث الكبرى، حتى تُحمَّل نتائجها لمن لا يملك دفعها.

بين الرزق والحياة… اختبار قاسٍ

أي معادلة تلك التي يُطلب فيها من الموظف أن يختار بين:
    •    البقاء إلى جوار أسرته في لحظة توتر حقيقي،
    •    أو العودة سريعًا خوفًا من توصيف قانوني قد يُلحق به وصمة “الانقطاع”؟

هذا ليس قرارًا إداريًا بسيطًا، بل اختبار يمس جوهر الكرامة الإنسانية.
فالعمل حق، والرزق ضرورة، لكن الحياة والأمان الأسري ليستا رفاهية يمكن تأجيلها.

كيف يتصرف الموظف قانونيًا؟

عند التعرض لمثل هذه المواقف، يُنصح بالآتي:
    1.    توثيق جميع المراسلات المتعلقة بالإجازة وموعد العودة.
    2.    طلب أي توجيه أو تحذير بصيغة مكتوبة رسمية.
    3.    الإشارة في المخاطبات إلى مفهوم “القوة القاهرة” واستحالة التنفيذ.
    4.    مراجعة قانون العمل المحلي والعقد الموقع.
    5.    التواصل – عند الضرورة – مع الجهة المختصة بوزارة العمل أو طلب استشارة قانونية متخصصة.

فالتهديد الشفهي لا يصنع مركزًا قانونيًا، والحقوق لا تُفقد بمجرد التخويف.

كلمة أخيرة

في أوقات الأزمات تُختبر أخلاقيات المؤسسات قبل أن تُختبر ولاءات الموظفين.
وإدارة الموارد البشرية ليست أداة انضباط فقط، بل ضمير تنظيمي يفترض به أن يحمي التوازن بين الإنتاجية والإنسانية.

يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل مغترب يعيش هذا القلق: هل أختار رزقي… أم حياتي ووجودي مع من أحب؟

والأصل أن العدالة لا تفرض على الإنسان مثل هذا الاختيار.