بقلم ـ علي المالكي
في لحظات التوتر الكبرى التي تعيشها المنطقة اليوم حيث تتقاطع المصالح الدولية وتتشابك حسابات القوى بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يبرز الخليج العربي بوصفه مساحة مختلفة في هذا المشهد المضطرب.
ليس لأنه بعيد عن الخطر بل لأنه يعرف كيف يتعامل معه.
فالخليج على الرغم من أنه كان لسنوات طويلة في مرمى التهديدات أثبت أن قوته لا تقوم فقط على قدراته العسكرية أو مكانته الاقتصادية بل على عامل أكثر عمقًا : التلاحم بين قياداته وشعوبه.
هذا التلاحم هو ما يمنح دول الخليج قدرة استثنائية على مواجهة الأزمات دون أن تهتز بنيتها الداخلية.
فالقيادة تتحرك بحكمة واتزان والشعوب تقف خلفها بثقة ووعي وكأن الجميع يدرك أن حماية الاستقرار مسؤولية مشتركة.
وفي خضم هذه الأزمة الإقليمية تكشف الوقائع حقيقة لا يمكن تجاهلها.
فبينما ترفع إيران شعارات المواجهة مع القوى الكبرى تُظهر الأحداث أن كثيرًا من أدواتها العسكرية وعملياتها الهجومية وجهت نحو دول الخليج العربي.
آلاف الطائرات المسيّرة أُطلقت ومئات الصواريخ البالستية استهدفت منشآت ومدنًا وبنى تحتية في هذه المنطقة التي لم تكن يومًا مصدر تهديد لأحد.
في المقابل تبدو المفارقة واضحة : فالسفن الحربية الضخمة والأساطيل الأمريكية التي تملأ البحار القريبة لم تكن الهدف المباشر لتلك الهجمات كما أن ما أُطلق باتجاه إسرائيل بقي محدودًا مقارنة بما شهدته المنطقة العربية.
هذه الحقيقة تكشف طبيعة معقدة للصراع في الشرق الأوسط.
فالمعركة ليست دائمًا كما تُعرض في الخطابات بل كما تظهر على الأرض.
لكن ما يستحق التأمل حقًا هو رد الفعل الخليجي أمام هذه التحديات.
فبدل الانجرار إلى الفوضى أو التصعيد غير المحسوب اختارت القيادات الخليجية طريق الحكمة والاتزان مركزة على حماية الاستقرار الداخلي وتعزيز الجبهة الوطنية.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للشعوب الخليجية.
ففي أوقات الخطر تتجلى معادن المجتمعات ويظهر الفرق بين مجتمع متماسك وآخر منقسم.
الشعوب الخليجية أثبتت في هذه المرحلة أنها تدرك قيمة الأمن والاستقرار الذي تعيشه وأنها تقف خلف قياداتها في مواجهة أي تهديد يمس أوطانها.
هذا الاصطفاف ليس وليد اللحظة بل نتيجة عقود طويلة من الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.
لقد نشأت دول الخليج في بيئة صعبة وتعلمت منذ بداياتها أن البقاء والاستقرار لا يتحققان إلا بالتكاتف.
ومن رحم تلك التجربة التاريخية تشكلت علاقة خاصة بين القيادة والشعب علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والشعور بالمصير المشترك.
في الأزمات العالمية كثيرًا ما تتكشف الانقسامات داخل الدول.
أما في الخليج فإن الأزمات غالبًا ما تعزز الوحدة الداخلية.
وهذه الوحدة هي ما يجعل هذه الدول قادرة على عبور العواصف التي تضرب المنطقة.
فالاستقرار الحقيقي لا يصنعه السلاح وحده بل يصنعه مجتمع يشعر بأن دولته تمثله وأن قيادته تعمل من أجل أمنه ومستقبله.
وفي عالم يتغير بسرعة وتتصاعد فيه الصراعات تبدو هذه المعادلة الخليجية واحدة من أهم مصادر القوة في المنطقة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد مواجهة سياسية أو أزمة إقليمية عابرة بل لحظة تاريخية تُظهر بوضوح أن الدول التي يتماسك شعبها مع قيادتها تصبح أكثر قدرة على الصمود مهما اشتدت الضغوط.
ولهذا فإن دول الخليج العربي اليوم لا تقف في قلب العاصفة بقلق بل تقف بثقة.
ثقة في مؤسساتها وثقة في وعي شعوبها وثقة في قياداتها التي أثبتت مرارًا أنها تعرف كيف تحمي استقرار أوطانها.
وفي زمن تتغير فيه التحالفات وتتصاعد فيه التوترات تبقى الحقيقة الأوضح :
أن دول الخليج العربي ليس مجرد منطقة جغرافية بل بيت واحد تتكامل فيه القيادة والشعب.
وحين يكون البيت متماسكًا من الداخل لا تستطيع العواصف مهما اشتدت أن تهز أركانه.