بقلم- شموخ نهار الحربي
منذ رحيل أبي، تغيّر شكل الأيام في عيني. لم تعد كما كانت، ولم يعد للوقت طعمه المعتاد.
هناك فراغ لا يملؤه شيء، وصوت أبحث عنه في زحمة الأصوات فلا أجده.
أشتاق إليه في تفاصيل صغيرة قد لا ينتبه لها أحد؛ في فنجان القهوة الذي كان يحبه، في نصيحة كان يكررها، في دعوة صادقة كان يهمس بها قبل أن أخرج من البيت
الاشتياق للأب ليس شعورًا عابرًا، بل هو حنين ممتدّ يسكن القلب بهدوء موجع.
الأب ليس مجرد شخص في حياتنا، بل هو الأمان حين نخاف، والسند حين نتعب، والقوة حين نظن أننا ضعفنا.
وحين يغيب، نشعر وكأن جزءًا من أرواحنا قد سافر بعيدًا، تاركًا خلفه ذكريات لا تُنسى
أحيانًا أجلس وحدي وأتذكر ضحكته، طريقته في الحديث، نظرته التي كانت تطمئنني دون كلام.
أشتاق حتى لعتابه، لحرصه، لاهتمامه الذي كنت أراه عاديًا، ثم أدركت بعد غيابه أنه كان نعمة عظيمة.
الاشتياق علّمني أن الأشياء الثمينة لا تتكرر، وأن وجود الأب في حياتنا كان هدية لا تُقدّر بثمن
ومع كل هذا الألم، تعلّمت أن الصبر ليس خيارًا، بل ضرورة.
الصبر هو الجسر الذي نعبر به أيام الفقد الثقيلة.
هو الإيمان بأن الله أرحم به منا، وأن اللقاء في الآخرة حقّ، وأن الدعاء يصل، وأن البر لا ينتهي بالموت.
الصبر لا يعني أن نتوقف عن الاشتياق، بل أن نعيش هذا الاشتياق بقلب راضٍ، مؤمن بقضاء الله وقدره
أبي… وإن غبت عن عيني، فأنت حاضر في دعائي، في خطواتي، في كل نجاح أحاول أن أحققه لأجلك.
أعدك أن أبقى قوية كما كنت تحب، صابرة كما علمتني، ثابتة كما أردت لي دائمًا
رحمك الله يا أبي، وجمعني بك في جناته.
وحتى يحين اللقاء، سيبقى الاشتياق لك أجمل ألمٍ أحمله في قلبي، وسيبقى الصبر رفيقي في طريق لا يخلو منك، وإن غبت