الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ مارس-٢٠٢٦       12375

 

بقلم - حذامي محجوب 

قد يبدو للوهلة الأولى أن التباين المذهبي بين الجمهورية الإسلامية في إيران، القائمة على مبدأ ولاية الفقيه، وبين جماعة الإخوان المسلمين، يجعل أي تقارب بينهما مستحيلاً أو على الأقل هشًّا.

غير أن قراءة أعمق لمسار الطرفين تكشف أن الخلاف الفقهي لم يكن حاجزا حقيقيا، بل ظلّ تفصيلا أمام تقاطع أوسع في الرؤية والغاية: إقامة نظام سياسي يستمد شرعيته من تفسير حصري للدين، ويمنح “النخبة المؤمنة” حق قيادة المجتمع باسم الحقيقة المطلقة.

منذ ستينيات القرن الماضي، بدأت ملامح هذا التداخل الفكري تتشكل.

فقد تأثر علي خامنئي بأدبيات سيد قطب، أحد أبرز منظّري الإخوان، وترجم عددا من كتبه إلى الفارسية قبل الثورة الإيرانية، ما ساهم في إدخال مفاهيم “الحاكمية” و”الطليعة الرسالية” إلى المجال الفكري الإيراني.

لم يكن الأمر مجرد إعجاب أدبي، بل انتقال أفكار ترى أن الإسلام مشروع حكم شامل، وأن التغيير لا يتحقق إلا عبر صدام جذري مع الواقع القائم.

بعد انتصار الثورة عام 1979، تحوّل التأثر النظري إلى تقارب سياسي.

فقيادات إخوانية في أكثر من بلد اعتبرت ما جرى في طهران نموذجا ناجحا لإقامة “الدولة الإسلامية”.

بعض المنابر المحسوبة على التيار الإخواني احتفت بالثورة الإيرانية بوصفها لحظة مفصلية في التاريخ الإسلامي المعاصر، فيما ذهبت وفود إلى أبعد من ذلك بطرح تصورات عابرة للمذهب حول وحدة المشروع الإسلامي، معتبرة أن الخلاف السني / الشيعي يمكن تجاوزه في سبيل إقامة كيان سياسي جامع.

في المقابل، كانت إيران تدرك حاجتها إلى عمق سني يتيح لها التمدد في الفضاء العربي دون أن تُحاصر في إطارها المذهبي.

هنا برزت فائدة العلاقة مع التنظيم الدولي للإخوان، الذي يمتلك شبكات اجتماعية وسياسية واسعة.

هذا التقاطع تجسد بوضوح في العلاقة مع حركة حماس، التي تلقت دعما إيرانيا سياسيا وعسكريا لسنوات، في نموذج يعكس ما يمكن تسميته “تحالف الضرورة” بين مشروعين يلتقيان في الهدف وإن اختلفا في المرجعية الفقهية.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الدعم غير المباشر، بل ظهر في مواقف معلنة تؤكد متانة الصلة.

ففي يونيو 2025، وجّه القائم بأعمال المرشد العام للإخوان رسالة تضامن إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، مؤكدا وحدة المعركة واعتبار الخصم واحداً.

هذه اللغة لم تكن مجرد مجاملة سياسية، بل تعبيرا صريحا عن رؤية مشتركة للعالم تقوم على فكرة الصراع الوجودي، وعلى أولوية “الوحدة الرسالية” فوق اعتبارات الدولة الوطنية وحدودها.

إن الخيط الناظم لكل هذه الوقائع هو الإيمان بأن الدين ليس مرجعية أخلاقية فحسب، بل نظام حكم شامل، وأن السلطة يجب أن تُدار باسم تفويض عقائدي لا عبر عقد مدني بين المواطنين.

سواء سُمّي ذلك “ولاية الفقيه” أو “الحاكمية” أو “الخلافة”، فإن الجوهر واحد: مركزية العقيدة في تعريف الشرعية، وتقديم الجماعة المؤمنة على الفرد، وتذويب التعدد داخل إطار أيديولوجي صارم.

من هنا، فإن العلاقة بين إيران والإخوان ليست حادثا عابرا فرضته تحولات إقليمية، بل نتيجة منطق فكري متقارب يرى في الدولة أداة لتنفيذ مشروع عقائدي كوني.

وعندما تصبح السياسة إمتدادا لمهمة دينية مغلقة، تتراجع مفاهيم المواطنة المتساوية، ويضيق المجال أمام الحريات الفردية، لأن الحقيقة تُحتكر باسم الدين، لا تُدار عبر التعدد والاختلاف.

بهذا المعنى، فإن فهم التحالف بين طهران والتنظيم الدولي للإخوان لا يمر عبر قراءة مذهبية سطحية، بل عبر تحليل البنية الفكرية التي تجمع بينهما: تصور كلياني للسلطة، ونظرة صدامية للعالم، وإيمان بأن التاريخ يتحرك في اتجاه مشروع واحد ينبغي تمكينه، مهما كانت الكلفة السياسية أو الاجتماعية.