الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ مارس-٢٠٢٦       25190

بقلم _ د. خالد الحمداني 
على امتداد التاريخ، لم يكن الخليج العربيّ مجرد مساحةٍ جغرافيةٍ تطل على بحرٍ غنيٍّ بالثروات، بل كان قلباً نابضاً للتجارة العالمية، وملتقى حضارات وثقافات عديدة.

وبينما اختارت بعض القوى عبر العصور طريق التوسع وفرض النفوذ بالقوة، اختارت دول الخليج العربيّ– وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية – مساراً مختلفاً يقوم على الحكمة، والبناء، والتنمية، وصناعة المستقبل.
منذ القدم وعبر التاريخ وعصوره سعت الإمبراطوريات الفارسية المتعاقبة ومنها الساسانية إلى بسط نفوذها من خلال سياسة العدوان تجاه الدول العربية خصوصاً دول الخليج العربيّ والجزيرة العربية، حيث كانت المنطقة هدفاً لأطماع القوى الإقليمية بحكم موقعها الاستراتيجي وثرواتها وموانئها الحيوية.

لم يكن الأمر صراع ثقافات بقدر ما كان تنافساً على طرق التجارة ومفاصل الاقتصاد. ومع بزوغ فجر الإسلام، تبدّلت موازين القوى بعد معارك فاصلة مثل معركة القادسية، التي أنهت حقبة وفتحت أخرى عنوانها العدالة وبناء الدولة.
غير أنّ دروس التاريخ تؤكد أنّ منطق التوسع لا يغيب طويلاً عن مسرح السياسة.

ففي فتراتٍ لاحقة، عاد الصراع الإقليمي بأشكال مختلفة، خاصّة حين تداخل العامل المذهبي مع الطموح السياسي.

ومع قيام الدولة الوطنية الحديثة في الخليج العربيّ، برزت تحديات جديدة تمثّلت في محاولات التأثير على القرار السيادي، ودعم حركات معارضة، وإثارة القلاقل تحت شعارات أيديولوجية أو دينية.
لكن الفارق الجوهري بين منطقين ظل واضحاً: منطق يسعى إلى تصدير الأزمات إلى الخارج، ومنطق يركز على بناء الداخل.

وبينما انشغلت بعض القوى بإعادة إنتاج خطاب الثورة والتوسع، انشغلت دول الخليج العربيّ بتثبيت أركان الدولة، وترسيخ مفهوم المواطنة، وتطوير التعليم والصحة والبنية التحتية، وبناء اقتصاد متنوع لا يعتمد على مورد واحد.
لقد أدركت القيادة السعودية مبكراً أنّ الأمن الحقيقي لا يتحقق بالشعارات، بل بالتنمية.

وأنّ القوة ليست في تحريك الميليشيات أو إذكاء الصراعات، بل في بناء الإنسان.

لذلك شهدت المملكة خلال العقود الأخيرة تحولاً تنموياً غير مسبوق، تُوّج بإطلاق رؤية السعودية 2030 التي أعادت صياغة الأولويات الوطنية على أساس التنويع الاقتصادي، وتمكين الشباب، وتعزيز دور المرأة، وتطوير قطاعات الثقافة والسياحة والتقنية.
وفي الوقت الذي اختارت فيه بعض الأنظمة نهج “تصدير الثورة”، اختارت المملكة نهج “تصدير الفرص”.

فاستثمرت في مشروعات عملاقة تعكس رؤية مستقبلية، مثل نيوم، التي تمثّل نموذجاً عالمياً في الابتكار والتقنية والطاقة النظيفة.

كما تبنت مبادرات بيئية رائدة، في إطار “السعودية الخضراء”، إدراكًا منها بأنّ الاستقرار لا يكتمل دون استدامة بيئية تحفظ حق الأجيال القادمة.
إنّ منطق الهدم يقوم على فكرة أنّ النفوذ يُبنى على أنقاض الآخرين، وأنّ السيطرة تتحقّق عبر زعزعة الاستقرار.

أما منطق الحكمة والبناء فينطلق من أنّ ازدهار الجوار يعزّز ازدهارك، وأنّ احترام السيادة أساس لعلاقات صحية بين الدول.

ولذلك حرصت المملكة على تبني سياسة خارجية متوازنة، تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم الحلول السياسية للأزمات، والعمل عبر المؤسسات الدولية والإقليمية لتعزيز الأمن الجماعي.
ولا يعني ذلك غياب الحزم. فالحكمة لا تتناقض مع القوة، بل تؤطرها.

وحين تعرّض أمن الخليج العربيّ لتهديدات مباشرة، كانت المملكة في طليعة المدافعين عن استقرار المنطقة، واضعةً نصب عينيها أنّ أمن الخليج كلٌ لا يتجزأ.

غير أنّ هذا الحزم ظل مرتبطاً بهدفٍ واضح: حماية الدولة، لا هدم الدول؛ صون الاستقرار، لا توسيع رقعة الصراع.
لقد أثبتت التجربة الخليجية أنّ التنمية هي الرد الأبلغ على دعاة الفوضى.

فحين تتعزّز جودة الحياة، وتتوسّع فرص العمل، ويرتقي التعليم، وتتطور الخدمات، تتراجع قابلية المجتمعات للانجرار خلف شعارات الهدم.

وهنا يكمن جوهر المعادلة: البناء يُحصّن الداخل، ويجعل من محاولات الاختراق عبئاً على أصحابها.
إنّ الخليج اليوم يقف على مفترق طرق إقليمي وعالمي، في ظل تحولات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة.

وبين من يصرّ على قراءة العالم بعقلية الصراع الصفري، ومن يقرأه بعين الشراكة والمصالح المتبادلة، يظل الخيار الخليجي – والسعودي تحديداً – منحازاً إلى المستقبل.

مستقبل يقوم على الاقتصاد المعرفي، والتحول الرقمي، والاستثمار في الإنسان، وتعزيز القيم العربية والإسلامية القائمة على الاعتدال والتسامح.
وفي نهاية المطاف، لا تنتصر الأمم بالصوت الأعلى، بل بالرؤية الأعمق.

ولا تُقاس قوة الدول بقدرتها على إرباك الآخرين، بل بقدرتها على تمكين شعوبها.

وبين منطق الحكمة والبناء والتحضّر، ومنطق الهدم والتوسع والعدوان، يبقى التاريخ شاهداً على أنّ ما يُبنى على القيم الراسخة يدوم، وما يُشيَّد على الأزمات سرعان ما يتداعى.