بقلم- ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية
في ظل التحديات العالمية الناتجة عن تغيّر المناخ، حققت الصين في السنوات الأخيرة إنجازات بارزة في مجال التنمية الخضراء.
ومن خلال التوجيهات السياسية، والابتكار التكنولوجي، وتحديث الصناعات، لم تحسن الصين جودة بيئتها بشكل فعّال فحسب، بل قدمت أيضا "الحل الصيني" لبناء حضارة إيكولوجية عالمية.
القيادة السياسية: بناء نمط جديد للتنمية الخضراء
تولي الحكومة الصينية أهمية كبيرة للتنمية الخضراء، واعتبرتها جزءا من الاستراتيجية الوطنية.
ومنذ أن أُدرج بناء الحضارة الإيكولوجية كهدف وطني عام 2012، أصدرت الصين سلسلة من السياسات المهمة، مثل "خطة العمل لتحقيق ذروة الكربون قبل عام 2030" و"الخطة الخمسية الرابعة عشرة لحماية البيئة"، مما جعل التنمية الخضراء محركا مهما للنمو الاقتصادي.
وفي مجال تعديل هيكل الطاقة، سرعت الصين من التخلص من الصناعات العالية التلوث والعالية الاستهلاك للطاقة، وعملت بقوة على تطوير مصادر الطاقة المتجددة.
وبحلول نهاية عام 2025، حافظت الصين على صدارتها عالميا في القدرة المركبة من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، حيث وصلت القدرة المركبة للطاقة الشمسية إلى حوالي 1.2 مليار كيلوواط، بزيادة قدرها 35.4% على أساس سنوي، بينما بلغت قدرة طاقة الرياح حوالي 640 مليون كيلوواط، بزيادة قدرها 22.9%.
كما تجاوزت نسبة استهلاك الطاقة غير الأحفورية 21% من إجمالي استهلاك الطاقة، بزيادة قدرها حوالي نقطتين مئويتين مقارنة بالعام السابق، كما تجاوزت هذه النسبة استهلاك النفط لتصبح ثاني أكبر مصدر للطاقة في الصين والمحرك الرئيسي لنمو استهلاك الطاقة، مما يؤكد مكانة الصين المتقدمة كدولة رائدة في مجال التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
الابتكار الأخضر: دفع التحديث الصناعي المنخفض الكربون
يُعدّ الابتكار التكنولوجي الأخضر في الصين قوة دافعة قوية لتنمية الاقتصاد المنخفض الكربون. ففي قطاع السيارات الجديدة للطاقة، أصبحت الصين أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم، حيث تجاوز إنتاج ومبيعات هذه السيارات في عام 2025 حاجز 16 مليون وحدة، بما يمثل 68.4% من الإجمالي العالمي، واحتفظت بالمركز الأول عالميا لـ11 سنوات متتالية.
وتقود شركات مثل BYD وCATL الابتكار في هذا المجال، حيث تبلغ الحصة السوقية العالمية لشركة CATL في مجال بطاريات الطاقة 39.2%، محتلة المرتبة الأولى عالميا للعام التاسع على التوالي.
وعلاوة على ذلك، حققت الصين إنجازات مهمة في مجالات احتجاز وتخزين الكربون، والهيدروجين الأخضر، والشبكات الذكية.
فعلى سبيل المثال، تم تطوير "محطة بايخهتان للطاقة الكهرومائية" باستخدام تقنيات طاقة نظيفة رائدة على مستوى العالم، وتبلغ قدرتها المركبة 16 مليون كيلوواط، وتساهم سنويا في تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بأكثر من 51 مليون طن، أي ما يعادل زراعة نحو 310 مليون شجرة.
استعادة النظم البيئية: تجسيد واقعي لمفهوم " الجبال الخضراء والمياه النقية هي جبال من ذهب وجبال من فضة "
تلتزم الصين بمفهوم أن " الجبال الخضراء والمياه النقية هي جبال من ذهب وجبال من فضة "، وتسعى بقوة إلى تنفيذ مشاريع استعادة النظام البيئي، مثل مشروع حزام الغابات الثلاثي الشمالي، وحماية حوض نهر اليانغتسي، وإعادة الأراضي الزراعية إلى غابات ومراعي.
وقد أدى ذلك إلى ارتفاع مستمر في نسبة الغطاء الحرجي ( مساحة الغابات ) في البلاد، والتي تجاوزت 25% اليوم.
وبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، تحتفظ الصين بنمو مزدوج في المساحة والحجم الحرجي ( مساحة الغابات ) لمدة 30 عاما متتالية، وأسهمت بنحو25% من إجمالي الزيادة العالمية في المساحات الخضراء، مما يجعلها الدولة الأكبر إسهاما في "تخضير" الكوكب.
وفي الوقت ذاته، تسارعت وتيرة التحول الأخضر في المدن، حيث تبنت مدن مثل بكين، شنتشن، وهانغتشو مفهوم "المدن الإسفنجية"، التي تعتمد على الجمع بين الحلول البيئية والبنى التحتية لتخزين مياه الأمطار ومعالجتها، والتكيف مع تغير المناخ.
وقد تجاوز عدد المدن التي تطبق هذا النموذج 66 مدينة، ووصل إجمالي المساحة المعتمدة للبناء الأخضر إلى أكثر من 6.6 مليار متر مربع، مما حسن بشكل ملحوظ القدرة على مقاومة الفيضانات وتحسين البيئة الحضرية.
التعاون العالمي: تقاسم ثمار التنمية الخضراء
بصفتها دولة مسؤولة، تشارك الصين بنشاط في الحوكمة المناخية العالمية، وقد تعهدت بالوصول إلى ذروة انبعاثات الكربون قبل عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني قبل عام 2060.
كما تعزز الصين التعاون من خلال مبادرة "الحزام والطريق" لبناء مشاريع للطاقة النظيفة في دول عدة.
فعلى سبيل المثال، في الإمارات العربية المتحدة، شاركت الصين في بناء "محطة الظفرة للطاقة الشمسية الكهروضوئية " بقدرة مركبة تبلغ 2.1 جيجاواط، مما يلبي احتياجات الكهرباء لـ 200 ألف منزل، ويقلل من انبعاثات الكربون بمقدار 2.4 مليون طن سنويا، ويوفر نحو 5000 فرصة عمل.
أما في المملكة العربية السعودية، فساهمت الصين في مشروع "محطة الشعيبة السعودية لتوليد الطاقة الكهروضوئية" بقدرة 2.6 جيجاواط، والذي يُعد أكبر مشروع من نوعه في الشرق الأوسط، حيث يُتوقع أن يولد خلال 35 عاما نحو 282.2 مليار كيلوواط ساعة من الكهرباء، ويقلل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يقرب من 245 مليون طن، مما يمنح دفعة قوية لجهود المملكة في التحول نحو الطاقة النظيفة.
ديناميكية داخلية: الدعم المنظومي للتحول الأخضر وتعزيزه المستمر
بعد سنوات من الجهود المتواصلة، انتقلت الصين في مجال التنمية الخضراء من مرحلة الدفع السياسي إلى مرحلة التنفيذ المنهجي، محققة تقدماً ملموساً في تحسين هيكل الطاقة، والارتقاء بالصناعات، ومعالجة القضايا البيئية.
ويعود الفضل في تحقيق هذه النتائج إلى دمج الأهداف البيئية في جميع مراحل خطط التنمية، والاعتماد على الابتكار التكنولوجي لقيادة التحول الصناعي، وتشكيل آليات رقابية طويلة الأمد عبر الضمانات المؤسسية. وفي الوقت الراهن، لا تزال التنمية الخضراء العالمية تواجه تحديات متعددة، مثل الحواجز التكنولوجية، والفجوة التمويلية، ومعوقات التعاون.
تواصل الصين، أثناء دفع تحولها الداخلي، تقديم حلول تقنية قابلة للتطبيق والتوسع للدول النامية الأخرى من خلال منصات مثل التعاون الأخضر في إطار "الحزام والطريق" والتعاون بين بلدان الجنوب.
إن الميزة التنافسية للشركات الصينية في مجالات الطاقة الجديدة، وتخزين الطاقة، وكفاءة الطاقة، تتحول تدريجياً إلى قوة داعمة لسلاسل التوريد الخضراء العالمية.
واستشرافاً للمستقبل، ستواصل الصين التمسك بأهدافها المحددة لخفض الانبعاثات، والدفع بإجراءات عملية نحو إعادة هيكلة عميقة لقطاعي الطاقة والصناعة، كما ستعزز التنسيق السياسي والتعاون التكنولوجي مع مختلف الدول في قضايا التغير المناخي، بهدف بناء نظام حوكمة مناخي عالمي عادل ومعقول وقائم على المنفعة المتبادلة، والحفاظ معاً على التنمية المستدامة لكوكب الأرض.