بقلم ـ شوق بنت يوسف المحمادي
لم تكن المرأة في عهد الدولة السعودية الأولى عنصرًا هامشيًا في المجتمع، بل مثّلت شريكًا أصيلًا في بناء الدولة وترسيخ دعائمها ، حيث أدّت أدوارًا محورية أكدت من خلالها أنها الركيزة المكملة للرجل في مسيرة الاستقرار والتنمية، وأسهمت بفاعلية في مختلف المجالات الأسرية والاقتصادية والعلمية والسياسية.
ركيزة الأسرة وبوصلة القيم
احتلت المرأة موقعًا مركزيًا داخل الأسرة، حيث اضطلعت بمهمة تربية الأبناء وتنشئتهم على القيم الدينية والاجتماعية، إلى جانب إدارتها لشؤون المنزل وتنظيم مسؤولياته اليومية، وكانت حلقة وصل متوازنة بين الأبناء والأب، وأسهمت في تعزيز التماسك الأسري، كما كان لرأيها حضور في قضايا الزواج، سواء من خلال الوساطة في تزويج الأبناء أو إبداء الرأي في زواج البنات، ما يعكس مكانتها المؤثرة داخل البناء الأسري.
بين البادية والحاضرة… اختلاف البيئة ووحدة الدور
تباينت حياة المرأة بين البادية والحاضرة تبعًا لطبيعة البيئة فالمرأة البدوية عاشت حياة التنقل في بيوت الشعر، وشاركت في رعي المواشي وسقيها، وتحملت مشقة البحث عن الموارد، أما المرأة الحضرية فنعمت باستقرار نسبي داخل المدن والقرى، وأسهمت في أعمال الزراعة والحصاد ورعاية الحيوانات ، ورغم اختلاف البيئات، ظل جوهر الدور متشابهًا؛ إذ أدّت النساء في البيئتين أعمالًا منزلية متقاربة كإعداد الطعام، وتنظيف المسكن، والعناية بالحيوانات، ما يعكس وحدة الدور الاجتماعي مهما اختلفت الظروف.
مساهمات اقتصادية وحرفية
لم يقتصر دور المرأة على الشؤون المنزلية، بل امتد إلى الإنتاج والحرف ، فقد برعت المرأة البدوية في غزل الصوف ووبر الإبل وصناعة بيوت الشعر والبسط، بينما تميّزت المرأة الحضرية بالخياطة وصناعة الملابس، إلى جانب صناعة السِّفر والمهاف من خوص النخيل، كما اشتركت النساء في أعمال الدباغة وصناعة المنتجات الجلدية، مما جعلهن عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد الأسري والمجتمعي.
حضور علمي لافت
في ظل الدعوة الإصلاحية التي ارتكزت على نشر العلم، حظيت المرأة بنصيب من التعليم، سواء عبر حضور الدروس في المساجد أو من خلال الكتاتيب النسائية ،ومن أبرز النماذج العلمية فاطمة بنت الشيخ محمد بن عبدالوهاب، الملقبة بـ"صاحبة الهجرتين"، والتي تلقت العلم على يد والدها، وواصلت تعليم النساء في منزلها، بل ودرّست الرجال مع مراعاة الفصل ،واستمرت في نشر العلم حتى بعد سقوط الدرعية، لتظل رمزًا رائدًا للتعليم النسائي في نجد.
أدوار سياسية وتحالفات حاسمة
برزت المرأة كذلك في المشهد السياسي، وأسهمت في لحظات مفصلية من تاريخ الدولة ،فقد كان لـموضي بنت سلطان أبو وهطان، زوجة الإمام محمد بن سعود، دور بارز في دعم التحالف التاريخي مع محمد بن عبد الوهاب، إذ شجعت زوجها على مناصرته، في خطوة كان لها أثر بالغ في تأسيس الدولة.
كما أسهمت الجوهرة بنت عثمان بن معمر في تعزيز التحالف بين الدرعية والعيينة بزواجها من الإمام عبدالعزيز بن محمد، مما عمّق الروابط السياسية بين الإمارتين.
غالية البقمية… سيدة الميدان
وفي ميدان المقاومة، برز اسم غالية البقمية، التي قادت الدفاع عن تربة خلال الحملات العثمانية–المصرية فأشرفت على تنظيم المقاتلين وتوزيع السلاح والمؤن، وواجهت حملات عسكرية متتابعة، لتصبح رمزًا للشجاعة والصمود، وواحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ الدولة السعودية الأولى.
صوت الشعر والمقاومة
أما في المجال الأدبي والسياسي، فقد لمع اسم الشاعرة موضي بنت سعد الدهلاوي، التي حفّزت بقصائدها أهالي الرس على المقاومة خلال حصار إبراهيم باشا ، و جسّد شعرها روح الوطنية والتحدي، فكان صوتها امتدادًا للموقف السياسي المقاوم ، ومن أشهر أبياتها:
هيه يا راكبٍ حمرا ظهيره تزعج الكور نابيه السنامي
سر وتلفى هل العوجا مسيره ديرة الشيخ بلّغها سلامي
ياهل الحزم يا نعم الذخيره ان لفاكم من الباشه كلامي
انخوا الله ولا تنخون غيره واعرفوا ما من الميتة سلامي
حضور لا يُنسى
إن استعراض هذه النماذج يكشف بوضوح أن المرأة في الدولة السعودية الأولى لم تكن غائبة عن المشهد، بل كانت حاضرة في الأسرة، والاقتصاد، والعلم، والسياسة، وحتى ميادين القتال، وأسهمت بجدارة في صياغة ملامح تلك المرحلة التاريخية، مؤكدة أن بناء الدول لا يكتمل إلا بتكامل أدوار رجالها ونسائها معًا.