الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ فبراير-٢٠٢٦       34595

بقلم - تركي عبدالرحمن البلادي 
كاتب صحفي وباحث تربوي

يوم التأسيس ليس مجرد تاريخٍ يُدوَّن في سجل المناسبات الوطنية، بل هو لحظة ميلاد فكرةٍ غيّرت مسار الجزيرة العربية، حين قرر الإمام محمد بن سعود عام 1727م أن تتحول الدرعية من بلدةٍ على ضفاف وادي حنيفة إلى مركزٍ لدولةٍ تحمل مشروع الاستقرار والوحدة. ومنذ تلك اللحظة لم يعد المكان مجرد جغرافيا، بل أصبح وطنًا يتشكل، وهويةً تتبلور، ومسارًا تاريخيًا ممتدًا نحو المستقبل.

في تلك المرحلة، كانت المنطقة تعيش حالة من التشتت السياسي والتنازع، حيث تعددت القوى المحلية وغياب السلطة الجامعة، مما جعل الأمن هشًا والاقتصاد مضطربًا. وجاءت الدولة السعودية الأولى لتقدم نموذجًا مختلفًا قائمًا على توحيد القيادة، وترسيخ العدالة، ونشر الطمأنينة بين الناس، فبدأت ملامح الدولة المنظمة تظهر في وقتٍ مبكر من تاريخ المنطقة.

وما يلفت في تجربة التأسيس أنها لم تكن مجرد تحركات قتالية، بل عملية بناء متكاملة شملت تنظيم الإدارة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتنشيط الحركة الاقتصادية والعلمية، حتى تحولت الدرعية إلى مركز إشعاع حضاري يقصده العلماء والتجار. ولهذا بقيت فكرة الدولة حاضرة بقوة في ذاكرة المجتمع، حتى بعد أن واجهت الدولة الأولى تحديات كبرى أنهت مرحلتها السياسية، لتعود الفكرة أكثر رسوخًا في الدولة السعودية الثانية، ثم تبلغ اكتمالها التاريخي على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود — رحمه الله — الذي أعاد توحيد البلاد وأعلن قيام المملكة العربية السعودية، لتبدأ مرحلة جديدة من البناء الحديث.

واليوم، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود — حفظه الله — وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان — حفظه الله — تشهد المملكة تحولًا نوعيًا غير مسبوق في مختلف المجالات، امتدادًا طبيعيًا لذلك المشروع التاريخي. فقد أطلقت رؤية السعودية 2030 مسارًا طموحًا لتنويع الاقتصاد، وتعزيز مكانة المملكة عالميًا، وتطوير قطاعات التعليم والصحة والسياحة والتقنية والثقافة، إضافة إلى تمكين الشباب والمرأة، وبناء اقتصاد معرفي مستدام.

كما أصبحت المملكة نموذجًا في سرعة الإنجاز وحجم المشروعات الكبرى، من المدن المستقبلية إلى البنية التحتية المتقدمة، فضلًا عن حضورها المؤثر في صناعة القرار الإقليمي والدولي. ولم يعد التطور مقتصرًا على الجانب الاقتصادي، بل شمل جودة الحياة، والخدمات الحكومية الرقمية، والانفتاح الثقافي المنضبط الذي يعكس الثقة بالهوية الوطنية والاعتزاز بالجذور.

إن يوم التأسيس يؤكد أن المملكة ليست دولة وليدة الظروف الحديثة، بل كيان عميق الجذور يمتد لأكثر من ثلاثة قرون، وأن ما يتحقق اليوم من إنجازات هو ثمرة تراكم تاريخي طويل من الرؤية والعمل والتضحيات. فالدولة التي بدأت من وادٍ صغير أصبحت اليوم قوة محورية في المنطقة والعالم، دون أن تفقد ارتباطها بقيمها الأصيلة.

كما يحمل هذا اليوم رسالة للأجيال الجديدة بأن الاستقرار والنهضة لم يكونا نتاج الصدفة، بل نتيجة مشروع وطني متكامل حافظت عليه القيادة عبر العصور، وطوّرته بما يواكب متغيرات العصر. فالأمم التي تعرف بداياتها جيدًا تكون أقدر على صناعة مستقبلها بثقة واقتدار.

وهكذا يبقى يوم التأسيس مناسبة تتجدد فيها مشاعر الفخر والولاء، ويستحضر فيها السعوديون رحلة وطنٍ بدأ بفكرة، ثم أصبح دولة، ثم تحول إلى نموذج تنموي عالمي يسير بثبات نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وتأثيرًا