بقلم - منى يوسف الغامدي
في المدينة المنورة لا يُقاس الزمن بالأعوام، بل بالقلوب التي تهفو إليها، وبالخطى التي تتسارع شوقاً إلى رحابها الطاهرة. هي مدينة الهجرة، وموطن الدولة الأولى، ومهوى أفئدة الملايين الذين يجدون فيها سكينة الروح وطمأنينة المكان. وفي شهر رمضان المبارك، تتضاعف المعاني، ويغدو المشهد أكثر إشراقا؛ إذ تمتزج روحانية الصيام بعبق التاريخ، وتتحول طيبة الطيبة إلى لوحة إيمانية نابضة بالحياة.
وجاءت زيارة سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله للمدينة المنورة في هذا الشهر الفضيل لتؤكد أن هذه البقعة المباركة ليست فقط قلباً روحانياً للأمة، بل محوراً تنموياً واستثمارياً متصاعداً في رؤية وطن يعيد تشكيل المستقبل باقتدار وثقة ملكية. فالقيادة الرشيدة تنظر إلى المدينة المنورة بعينين: عين تعظم قدسيتها ومكانتها في وجدان المسلمين، وأخرى تستشرف دورها التنموي والاقتصادي ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
عدت بذاكرتي للطفولة وبيتنا في الحرة الشرقية وكنا ننتظر قدوم خادم الحرمين الشريفين الملك فهد في بداية افتتاح شارع الملك عبدالعزيز المؤدي للحرم النبوي الشريف في زيارات سنوية قد تتكرر أكثر من مرة في العام للإشراف المباشر من القيادة على توسعة الحرم ، وكنا أهل المدينة كبارا ًوصغاراً نترقب زيارة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله في شهر رمضان كل عام والذي عرف بين الناس بسلطان الخير وأبواب قصره تُفتح للقاصي والداني؛ ومازال أهل المدينة يذكرونه في دعواتهم ؛حتى إذا صدر قرار تعيين صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان استبشر أهل المدينة بهذا الأمير الشاب الذي يشبه أباه في ملامحه وابتسامته وحبه للمدينة وأهلها ، ومازال في مخيلتي كثير من الذكريات التي حفرت على مر السنين عندما التقيت بسمو الأمير سلطان في الديوان الملكي في يوم من عمري وهو يسألني عن اسمي وعملي ويثني على ما تقوم به المرأة السعودية في خدمة وطنها رحم الله من مات من آل سعود؛ وبارك الله فيمن ولاهم الله أمرنا اليوم ونحن لهم على العهد باقون. تلك هي أسرة آل سعود إن غاب سيد ، قام مقامه سيد آخر، يكمل مسيرة البناء، ويحمل ذات الحب الكبير للوطن وأبنائه.؛ وعندما نلت شرف السلام على سمو أمير المنطقة اليوم بعد سنوات وكأن التاريخ يعيد نفسه في يوم تكريم لي استشعرت معنى أن أكون امرأة سعودية تنال كل هذا القدر من التقدير من قيادتها وتبتهل لربها بأن يوزعها شكر النعم.
المدينة المنورة اليوم تشهد حراكاً تنموياً واستثمارياً متسارعاً، ومشروعات عملاقة تعيد رسم خارطتها العمرانية والخدمية والسياحية، بما يعزز جودة الحياة، ويرتقي بتجربة الزائر والمقيم على حد سواء. ملايين المعتمرين والزوار يتوافدون في رمضان وفي موسم الحج وعلى مدار العام بأعداد غير مسبوقة، في صورة تجسد عمق المكانة وقدسية البقعة، وحجم الجهد الذي تبذله الدولة في تهيئة البنية التحتية، وتطوير المرافق، وتحسين الخدمات.
ويبرز هنا الدور الحيوي لإمارة المنطقة بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان، الذي يحمل إرثاً من العطاء المتدفق ويجسد نموذج الأمير القريب من الناس الحاضر في تفاصيل التنمية، المتابع لمشروعاتها، والحريص على أن تكون المدينة في طليعة مدن المملكة جودةً وتنظيماً واستدامة. كما تضطلع أمانة المنطقة بقيادة معالي الأمين فهد البليهشي بجهود كبيرة في تطوير المشهد الحضري ، وتحسين البيئة العمرانية، وتعزيز الاستثمارات النوعية التي تحفظ للمدينة هويتها وتدفع بها نحو آفاق أوسع من النمو.
ومن المشروعات الملهمة التي تم تدشينها مؤخرا مشروع على خطاه، الذي يعيد إحياء السيرة النبوية وطريق الهجرة المباركة بأسلوب معاصر يجمع بين التوثيق التاريخي والتقنيات الحديثة والتجربة التفاعلية. إنه مشروع يعيد رسم خطى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الذاكرة الجمعية، ويربط الأجيال بسيرة المصطفى ربطاً حياً، يتجاوز السرد إلى المعايشة، ويحول التاريخ إلى طاقة إيمانية وثقافية واقتصادية في آن واحد. فالمدينة لا تكتفي بأن تكون حافظة للتاريخ، بل تحسن استثماره معرفياً وثقافياً وسياحياً، لتقدم للعالم نموذجاً فريداً في توظيف الإرث الحضاري في صناعة المستقبل.
وفي الأمس القريب تفاعلت قلوب أهل المدينة ومحبيها مع صدور قرار ولي الأمر بتعيين فضيلة الشيخ صالح المغامسي إماماً في المسجد النبوي، وهو أحد أبناء المدينة من قبيلة حرب المعروفين بعلمهم واعتدال طرحهم وقربهم من الناس. كان للخبر أثر بالغ في نفوس الأهالي، إذ رأوا فيه امتداداً لعلماء المدينة الذين نشأوا في ظلال مسجدها النبوي، وتربوا على منهجه الوسطي ، ليعودوا فيخدموا منبره الشريف.
وفي الصلاة الأولى لفضيلته في المسجد النبوي وهو يتلو سورة الإخلاص ارتجف ذلك الصوت الذي عرفناه في إمامة مسجد قباء حيناً من الزمان واشتقنا لكل هذا الخشوع الذي لامس قلوبنا وأثار مشاعر وجدانية روحانية مرتبطة بذكريات الماضي الجميل مع فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن صالح أمام وخطيب المسجد النبوي الذي كان ومازال حاضراً معنا بصوته الشجي في كل رمضان ولا يغيب عن ذاكرة ودعوات أهل المدينة المنورة لأن تلاوة الشيخ صالح المغامسي فيها شبه كبير بتلاوة بن صالح رحمه الله.
قصة تلاحم ومدينة لا تنام عن المجد
المدينة المنورة تكتب فصلا ًجديداً من تاريخها الحديث، فصلاً يجمع بين قدسية المكان وضخامة المشروعات، وروح القيادة، ووفاء الإنسان.
إنها قصة تلاحم استثنائية بين الحاكم والمحكوم، أكتب كلماتي هذه في ذكرى يوم التأسيس، التي نسطر فيها اعتزازنا بقيادة رشيدة ترى في خدمة الحرمين الشريفين شرفاً ومسؤولية، ويربطها بالشعب ولاء ومحبة وثقة ودعوات متعاقبة في الليل والنهار .
في رمضان، حين تمتلئ ساحات المسجد النبوي بالمصلين، وتضج الطرقات بحركة الزوار، وتتلألأ الأنوار في أحياء المدينة، يبدو المشهد وكأنه رسالة مفتوحة إلى العالم: هنا مدينة لا تعيش على أمجاد الماضي فقط، بل تصنع مستقبلها بروح الإيمان، وعزيمة التنمية، وقيادة تؤمن بأن خدمة طيبة الطيبة شرف لا يضاهيه شرف.
وهكذا تبقى المدينة.. قلبا نابضا في جسد الوطن، ووجها مشرقاً للمملكة، وجسراً بين التاريخ الخالد والرؤية الطموحة، في وطن تستمر الحكايات فيه عن الأمجاد والبطولات وصناعة التاريخ انها حكايات بناء وعطاء وحب لا ينتهي.
في تلاوته خشوع يلامس القلوب يعيد بنا الحنين لتلاوة فضيلةالشيخ عبدالعزيز بن صالح رحمه الله في محاكاة لتجويده وتلاوته