الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٢ فبراير-٢٠٢٦       9955

بقلم - أ. خلود بنت فيصل الزهراني
في يوم التأسيس تُستعاد سيرة المكان الذي تبلورت فيه ملامح الدولة السعودية الأولى، وتحولت الدرعية إلى عاصمة للحُكم ومركز للسياسة والعِلم، وفي هذه المناسبة، تبرز القصور والمساجد بوصفها شواهد عُمرانية تُجسّد قصة الازدهار والصمود، وتعكس عُمق التجربة التاريخية التي انطلقت منها الدولة السعودية.
اكتسبت الدرعية مكانة تاريخية بارزة، إذ كانت عاصمة الدولة السعودية الأولى ومركزًا سياسيًا وثقافيًا مهمًا، وتميّزت بموقعها الاستراتيجي في وادي حنيفة، إضافة إلى تحصيناتها القوية التي جعلتها حصنًا منيعًا، ومع ازدهارها العُمراني، شُيّدت فيها القصور والمساجد والمنشآت المتميزة، فأصبحت مركزًا للحُكم والسياسة والتجارة في نجد، وشهدت خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين توسّعًا ملحوظًا، برز من خلاله حي الطريف بوصفه قلب الإدارة السياسية، وحي البجيري مركزًا علميًا ودينيًا.
ويُعد قصر سلوى أبرز معالم الدرعية السياسية، إذ شكّل قلب القرار في الدولة السعودية الأولى، ويقع في حي الطريف على مرتفع طبيعي، وتميّز بمساحته الواسعة وبنائه المتدرج عبر مراحل متعددة منذ عهد الإمام محمد بن سعود، ثم توسّع في عهود لاحقة، إذ شُيدت وحدات جديدة في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد، وتطورت مرافقه أكثر في عهد الإمام سعود الكبير، وضم القصر وحدات معمارية شُيّدت من اللَّبن والحجارة المحلية، وارتفعت بعض أجزائه إلى ثلاثة طوابق، مع شرفات وأبراج دفاعية وفناء واسع، إضافة إلى جسر يربطه بمسجد الطريف.
 وبقيت آثار القصر قائمة وأصبح رمزاً للتراث السعودي، حيث أُعيد ترميمه ضمن مشروع تطوير الدرعية ليحافظ على مكانته التاريخية، واليوم يُعد قصر سلوى أحد أهم المواقع الأثرية المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، حيث يجذب الزوار والباحثين المهتمين بتاريخ الدولة السعودية الأولى وعراقتها.
كما برز قصر الإمام سعود في غصيبة بوصفه من أكثر القصور مناعة، إذ استُخدم خلال حملة إبراهيم باشا ساحةً للمقاومة، قبل أن يتعرّض لدمار كبير عام 1233هـ/1818م، ليغدو شاهدًا على صمود الدرعية في مواجهة الحملة العثمانية، ومن القصور المهمة أيضًا قصر سعد بن سعود في حي الطريف، الذي احتوى على مسجد داخلي يعكس مكانته الدينية والاجتماعية، إلا أنه تعرّض للهدم ثم أُعيد ترميمه لاحقًا.
وفي السياق نفسه، برز قصر فهد بن سعود بوصفه أحد معالم المرحلة الأخيرة من الدولة السعودية الأولى، إذ شُيّد على ثلاث مراحل نتج عنها ثلاث وحدات رئيسية، عكست تطور البناء ووظائفه عبر الزمن، وتميّز بتوزيع داخلي يعكس العمارة النجدية التقليدية، من خلال الفصل بين مجالس الرجال والنساء والمساحات الخدمية، واختلاف سماكات الجدران ووسائل الإنارة والتهوية، كما كشفت الدلائل الأثرية عن وجود ممرات ربطته بقصر سلوى وقصر إبراهيم، مما يدل على الترابط الوظيفي والمعماري بين قصور حي الطريف، قبل أن يتعرض للتدمير خلال حملة إبراهيم باشا عام 1233هـ/1818م.
كما برز قصر ثنيان بن سعود مثالًا للطراز النجدي التقليدي، بتخطيطه القائم على الفناء الأوسط والمدخلين المنفصلين للرجال والنساء، إلى جانب الأبراج الدفاعية، مما يعكس مراعاة الجوانب الاجتماعية والأمنية في تصميمه، وقد شهد القصر تحولات وظيفية لاحقة ارتبطت بالنشاط الاقتصادي، مثل مرافق استخراج الدبس وصوامع الغلال، مما يدل على مرونة العمارة التقليدية في التكيف مع المتغيرات عبر الزمن.
وفي الإطار الديني والاجتماعي، برز مسجد الطريف بوصفه أحد أهم المعالم الدينية في الدرعية، إذ يُرجّح أن تعود بداياته إلى مراحل مبكرة من تاريخ المدينة، قبل أن يتوسع ويزدهر خاصة في عهدي الإمام عبد العزيز بن محمد وابنه الإمام سعود بن عبد العزيز، ليصبح مركزًا للصلاة والتعليم والنشاط العلمي، واستمرت مكانته حتى عام 1233هـ/1818م، حين تعرّض للتدمير أثناء الحملة العثمانية، قبل أن يُعاد ترميمه حديثًا ضمن مشاريع تطوير الدرعية، وعلاوة على ذلك، شكّل مسجد وسبالة موضي نموذجًا للتكامل بين الوظيفة الدينية والاقتصادية، إذ ارتبط المسجد بمبنى السبالة الذي خدم التجار والمسافرين، وضم مرافق للإقامة والاستراحة، مما جعله مركزًا اجتماعيًا وتجاريًا مهمًا داخل حي الطريف.
وختامًا، مثّلت الدرعية نموذجًا معماريًا متفرّدًا جمع بين الطابع الدفاعي والتخطيط المتكامل، بوصفها عاصمة الدولة السعودية الأولى، ورغم ما لحق بها من دمار عام 1233هـ/1818م، بقيت معالمها شاهدة على تاريخ الدولة، وتأكدت قيمتها الحضارية بإدراج حي الطريف ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1431هـ/2010م، لتظل الدرعية رمزًا حيًا لجذور الدولة السعودية ومسيرتها التاريخية.