بقلم - لواء م عبدالله ثابت العرابي الحارثي
ليست السعودية مجرد خطوط على خريطة، ولا راية تُرفع ثم تُنزل. هي فكرة وعيّت أن البقاء لا يُصنع بالقوة وحدها، بل بالثبات على القيم، وبالقدرة على رؤية المستقبل قبل أن يأتِي. يوم التأسيس ليس ذكرى، بل عهد يُجدد في كل لحظة، ودرسٌ لمن يفكر أن الدولة تُبنى بالصدفة أو بالارتجال.
في الدرعية، لم يكن الإمام محمد بن سعود يؤسس فقط سلطة، بل يضع قانونًا للوجود: مجتمع يعرف قيمه، وسلطة تعرف حدودها، وأرض قاسية تُعلّم الصبر. لم يكن هناك جيش إمبراطوري، ولا أموال تغري الغزاة، بل رؤية دقيقة: أن أمن الداخل مقدمة لكل شيء، وأن العدالة لا تُصرف عن قواعدها. هذا هو الفارق؛ من يقرأ التأسيس بعين التاريخ يرى العقل قبل اليد، والوعي قبل السلطة.
الدولة السعودية منذ بداياتها لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على إرادة مبكرة للقرار. ولم تُعرّف نفسها ضد أحد، بل بتماسكها الداخلي ووضوح هدفها. وهذا سرّ استمرارها: القدرة على العودة إلى جوهرها، دون أن تنكسر أو تتنازل عن هويتها.
واليوم، مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده محمد بن سلمان آل سعود، ( حفظهم الله) يتجلى امتداد هذه الروح: ليس مجرد مشاريع، بل استثمار في جوهر الدولة ذاته. الجذور لم تنقطع، لكنها أصبحت أكثر قوة، أكثر سرعة، وأكثر وضوحًا في الهدف.
التأسيس إذًا ليس صفحة تُقرأ، بل مبدأ يُعاش. هو اللحظة التي نعي فيها أن الدولة لا تُقاس بسنة ميلادها، بل بعمق رسالتها، وبثبات إرادتها، وبوعي شعبها. يوم التأسيس هو يوم ندرك فيه أن السعودية ليست مجرد وطن… هي تجربة ثابتة، صلبة، وقادرة على أن تُعيد تعريف نفسها مع كل تحدٍّ، من دون أن تفقد روحها.
وهذا هو الفارق: أن يبقى التأسيس حاضرًا في الوعي، وأن تتحول الذاكرة إلى بوصلة، والهوية إلى مشروع، والوطن إلى فكرة لا تُقاس بالسنين، بل بالرسالة التي حملها منذ البداية