الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ فبراير-٢٠٢٦       14630

بقلم -  أ. حذامي محجوب 

لم يكن  موسم الرياض  ، منذ لحظته الأولى، مشروع ترفيه فحسب ، بل كان اختبارا مفتوحا لإرادة التغيير وطموح دولة قررت أن تصنع معيارها الخاص . 
 في كل عام كان الجدل يعلو … لكن النسخة السادسة جاءت لتضع النقاش في مكانه الطبيعي : خلف الأرقام . 
فحين يعلن الموسم وصوله إلى 17 مليون زائر ، يصبح الصخب مجرد خلفية ضبابية ، وتظهر الحقيقة بأوضح صورها : الرهان لم يكن مغامرة ، بل قراءة صائبة للمستقبل .
حين أطلقت الهيئة العامة للترفيه هذا المشروع بقيادة المستشار تركي بن عبد المحسن آل الشيخ، حمل الموسم على كتفيه سيلا من الأسئلة والشكوك . 
تساءل البعض عن الجدوى الاقتصادية ، والبعض تخوف من سرعة التحولات الاجتماعية ، وآخرون رأوا أن الترفيه رفاهية يمكن تأجيلها . 
 لكن التجارب الكبرى لا تُقاس بتخوفات البدايات ، بل بقدرتها على صناعة أثر لا يمكن تجاهله .
سبعة عشر مليون زائر ليست رقما للاستهلاك الإعلامي ، بل حركة اقتصادية عميقة : فنادق تعمل بطاقتها القصوى ، مطاعم لا تهدأ ، مواصلات تنشط ، وأسواق تنتعش . 
هي فرص عمل تتولد ، واستثمارات تتدفق ، ونبض اقتصادي يعيد تشكيل المشهد المحلي.

ففي عالم اليوم، لم تعد الصناعات الترفيهية كماليات ، بل رافعة اقتصادية ثابتة ، وذراعا فاعلة من أذرع القوة الناعمة .
غير أن الأثر الأهم يتجاوز لغة المال . إنه فرح الناس . في زمن مثقل بالحروب والقلق العالمي والاقتصادات المتأرجحة ، يصبح منح الجمهور مساحة للبهجة انجازا  وطنيا يتجاوز حدود الترفيه . 
أن تتمكن الرياض من جمع العائلات ، وجذب الزائر العربي والأجنبي ، وتقديم عروض رياضية وفنية وثقافية بمعايير عالمية ، يعني أن “جودة الحياة” خرجت من إطار الاستراتيجية إلى واقع يعيشه الناس يوميا .
 أما الحضور العربي والدولي الواسع ، سواء على أرض الحدث أو عبر الشاشات ووسائل التواصل ، فيقدم دليلا  آخر :  موسم الرياض  لم يعد فعالية محلية ، بل منصة إقليمية ودولية ترصدها العيون وتتناقلها المنصات وتنتظرها الجماهير . 
 إنه نافذة تقدم للعالم وجها جديدا للمملكة ، وجها  منظما ، منفتحا ، قادرا  على إدارة فعاليات كبرى بثقة واحتراف .
 النقد كان طبيعيا  في البداية ، بل صحيا . لكنه اليوم لم يعد سوى جزء من تاريخ التجربة، بعدما أثبت الموسم أنه يتطور ، ويتقن التنظيم ، ويبتكر التنوع ، ويقدم نفسه باعتباره مشروع دولة يستثمر في الترفيه بوصفه اقتصادا وصناعة وصورة دولية.
إن بلوغ هذا الرقم القياسي في نسخته السادسة ليس “ نجاح موسم ”، بل إشارة واضحة إلى تحول استراتيجي في موقع المملكة على خارطة الترفيه العالمية .

وهو أيضا شهادة على أن المجتمعات ، حين تُمنح الثقة والفرصة ، قادرة على أن تصنع ما يتجاوز  كل التوقعات .
قد يتباين الرأي حول التفاصيل ، لكن الحقيقة التي يصعب القفز فوقها أنّ تحولا كبيرا  يحدث  … والأرقام تتحدث بصوت أعلى من كل الضجيج . 
 وموسم الرياض بات اليوم واحدا  من أبرز عناوين هذا التحول .