الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ فبراير-٢٠٢٦       15180

بقلم - أ. حذامي محجوب

لم يعد الحديث عن مستقبل النظام النقدي العالمي نقاشاً أكاديمياً بارداً، بل تحول إلى ساحة صراع صامت بين القوى الكبرى.

ففي اللحظة التي نشرت فيها مجلة "تشيوشي" Qiushi، المنبر النظري الرسمي لـ الحزب الشيوعي الصيني، تصريحات الرئيس شي جين بينغ حول طموح بلاده إلى تحويل الرنمينبي إلى عملة احتياط دولية، كانت بكين تعلن بوضوح دخولها مرحلة جديدة من سباق الهيمنة المالية.

لم يكن التصريح مجرد رغبة تقنية في توسيع استخدام العملة، بل إعلان نية لمراجعة توازن نقدي استقر منذ الحرب العالمية الثانية تحت مظلة الدولار.

التحولات الجيوسياسية المتسارعة منحت هذا الطموح زخماً إضافياً.

عالم اليوم يعيش على وقع حروب تجارية، وعقوبات مالية، وتصدعات في سلاسل الإمداد، وعودة سياسات اقتصادية يصعب التنبؤ بها في الولايات المتحدة.

هذه العوامل أعادت إلى الواجهة سؤالاً ظل مؤجلاً طويلاً: هل يمكن لنظام مالي عالمي أن يبقى معتمداً بهذا الشكل المكثف على عملة واحدة؟

الصين لم تنتظر الإجابة، بل شرعت عملياً في بناء بدائل.

توسّعت في تسوية تجارتها بالرنمينبي، خصوصاً مع الدول الناشئة ومصدّري الطاقة، ووقّعت اتفاقات مقايضة عملات، وعملت على تطوير أنظمة دفع موازية تقلل اعتمادها على البنية المالية الغربية.

الهدف يتجاوز الاعتبارات الاقتصادية البحتة؛ إنه رهان على الاستقلال الاستراتيجي، وعلى تقليص قابلية الاقتصاد الصيني للتأثر بالضغوط والعقوبات.

غير أن الطموح السياسي لا يكفي وحده لإعادة رسم الخريطة النقدية.

فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، لا يزال الدولار يشكل النسبة الأكبر من احتياطيات النقد الأجنبي عالمياً، كما يهيمن على غالبية معاملات سوق الصرف.

في المقابل، يظل حضور الرنمينبي محدوداً رغم تقدمه التدريجي. هذه الفجوة لا تعكس فقط موازين قوة تاريخية، بل تكشف عن شروط بنيوية معقدة: قابلية تحويل كاملة، أسواق مالية عميقة وسائلة، وثقة عالمية راسخة في استقلالية المؤسسات النقدية.

وهنا تكمن معضلة بكين.

فالعملة التي تطمح إلى صفة "الاحتياط العالمي " تحتاج إلى انفتاح مالي واسع، وإلى درجة عالية من الشفافية والقدرة على التنبؤ.

غير أن الرنمينبي ما يزال خاضعاً لضوابط على حركة رؤوس الأموال، ولتدخلات تنظيمية تضع الاعتبارات السياسية فوق منطق السوق أحياناً.

وفي عالم يبحث عن ملاذات آمنة في أوقات الأزمات، تصبح الثقة المؤسسية عاملاً حاسماً.

لكن المشهد لا يختزل في ثنائية صينية–أميركية. فبين الدولار المهيمن والرنمينبي الطامح، يقف اليورو في موقع بالغ الحساسية.

العملة الأوروبية الموحدة تمتلك مقومات لا يمكن تجاهلها: اقتصاد ضخم، بنك مركزي مستقل، وقابلية تحويل كاملة.

وهي بالفعل ثاني أهم عملة احتياط عالمياً، وتلعب دوراً محورياً في التجارة الدولية.

غير أن ضعفها ليس نقدياً بقدر ما هو سياسي.

فالاتحاد الأوروبي لم ينجح بعد في استكمال هندسته المالية، ولا في توحيد سوق سنداته بشكل كامل، ولا في صياغة رؤية جيوسياسية موحدة حول دور عملته.

المفارقة أن التحولات الراهنة قد تمنح أوروبا فرصة نادرة.

فالعالم الذي يسعى إلى تنويع اعتماده النقدي لا يبحث بالضرورة عن بديل يُقصي الدولار، بل عن توازن يقلل الارتهان لعملة واحدة.

في هذا السياق، قد يكون اليورو مرشحاً طبيعياً لتعزيز حضوره، شرط أن تتوافر الإرادة السياسية لتقوية بنيته المالية وتعميق تكامله المؤسسي.

سباق الهيمنة المالية لن يُحسم بإعلان أو بخطاب.

إنه مسار طويل تحكمه الثقة، والعمق المالي، والاستقرار السياسي.

الصين تتقدم بخطوات محسوبة نحو توسيع نفوذ عملتها، والولايات المتحدة ما تزال تستند إلى ثقل مؤسساتها وأسواقها، وأوروبا تملك الأدوات لكنها لم تحسم بعد خيارها الاستراتيجي.

وبين هذه القوى الثلاث، يتشكل عالم نقدي أقل أحادية وأكثر تعددية، حيث لن يكون السؤال من يسقط الدولار، بل من ينجح في اقتطاع مساحة مؤثرة داخل نظام عالمي يعاد تشكيله بهدوء ولكن بثبات؟.