الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ يناير-٢٠٢٦       13365

بقلم ـ علي بن عيضه المالكي 

يُعد  تكريم المتفوقين  ممارسة تربوية ذات أثر عميق يتجاوز حدود الاحتفاء بالنتائج، ليغدو رسالة ذات قيمة تسهم في بناء الوعي وصياغة السلوك وتعزيز معنى الجهد في الوجدان الفردي والجماعي. فالتفوق حين يُحتفى به يتحول إلى رمز حي يوقظ الطموح ويؤكد أن العطاء الجاد طريق معترف به ومقدر.

 فضلاً عن ذلك لم يعد حدثًا عارضًا يُختزل في منصة وشهادة وصورة تذكارية، لكنه أضحى ممارسة تربوية ذات أثر ممتد، تُسهم في تشكيل الوعي، وتوجيه السلوك، وبناء منظومة قيم تُعيد تعريف النجاح في أذهان الأفراد والمجتمعات. فحين يُمارس التكريم بوعي، يتحول إلى رسالة صامتة تنفذ إلى العمق، وتعيد ترتيب العلاقة بين الجهد والنتيجة، وبين القيم والإنجاز.

من المنظور الأخلاقي، يتجلى ذلك في تحويل التفوق من حالة فردية إلى قيمة مجتمعية. فلمّا يُكرّم المتفوق بوصفه نموذجًا يحتذى، تتوطد معاني النزاهة والانضباط واحترام الوقت والالتزام بالمسؤولية. ويغدو التفوق اقترانًا بالأخلاق، حيث يترسخ في الوعي أن القيمة الحقيقية للإنجاز تنبع من السلوك المصاحب له، ومن الأثر الإيجابي الذي يتركه في المحيط.

أما البعد التربوي، يعمّق التكريم ثقافة الاجتهاد ويمنح المتعلم بوصلة داخلية توجه مسيرته نحو الإتقان. فهو يعزز الثقة بالذات، ويعمّق الإحساس بالقدرة على الإنجاز، ويغرس قيمة المثابرة باعتبارها ركيزة للتقدم. كما يسهم في خلق بيئة تعليمية تنافسية راقية، تقوم على التميز المسؤول، حيث يصبح النجاح ثمرة جهد منظم ورؤية واضحة.

كما أن أثره يمتد ليشمل بقية المتعلمين، إذ يبعث برسالة ضمنية مفادها أن التميز متاح لكل من يسلك دربه بوعي وصبر. فتتشكل ديناميكية إيجابية تحفز على التطوير الذاتي، وتحد من ثقافة الاتكالية، وتعيد الاعتبار لقيمة العمل المتقن.

إن  تكريم المتفوقين  حين يُمارس برؤية تربوية وأخلاقية متوازنة، يتحول إلى أداة بناء إنساني، تسهم في إعداد أجيال تدرك أن التفوق مسؤولية، وأن النجاح الحقيقي يقترن بالقيم، وأن المجتمع يرتقي حين يحتفي بالجدارة ويصون معناها.

في المقابل لم تنظر النظم التعليمية في فنلندا واليابان (على سبيل المثال) إلى  تكريم المتفوقين  بوصفه إجراءً احتفاليًا، إنما تبنته كأداة استراتيجية لبناء الإنسان وتعزيز القيم. وقد أظهرت تجارب دولية متعددة في كندا وسنغافورة أن الاعتراف المنهجي بالتميز يسهم في رفع جودة التعليم، وتوسيع مفهوم التفوق ليشمل السلوك والالتزام والمسؤولية المجتمعية.

في فنلندا يعتمدون هناك نظام يطلق عليه التفوق الهادئ والعدالة التربوية، هم لا يحاولون أن يكونوا تحت الضغط، تعتمد التجربة الفنلندية على تكريم غير لافت، يركز على التقدم الفردي والنمو المعرفي أكثر من المقارنة المباشرة. يُحتفى بالطلبة الذين يُظهرون تطورًا ملحوظًا في مهارات التفكير، والعمل التعاوني، واحترام القيم المدرسية. هذا النموذج عزز شعور العدالة، وربط التفوق بالاستمرارية والاجتهاد، فغدا التكريم محفزًا داخليًا ولم يعد أداة ضغط.

أما اليابان فالتفوق لديهم مرتبط بالانضباط والمسؤولية، فيُنظر إلى التفوق بوصفه نتيجة طبيعية للانضباط واحترام الجماعة. يُكرّم الطلبة الذين يجمعون بين الأداء الأكاديمي العالي والسلوك المسؤول، مثل المحافظة على البيئة المدرسية وخدمة المجتمع. هذه التجربة أسهمت في ترسيخ بعد أخلاقي عميق، حيث يُقدَّم المتفوق كنموذج سلوكي قبل أن يكون صاحب إنجاز رقمي.

إذن تؤكد تلك التجارب أن التكريم الفعّال يتطلب وضوحًا في المعايير، واتساعًا في مفهوم التفوق، وارتباطًا وثيقًا بالقيم. فحين يُمارس التكريم باعتباره أداة بناء لا مجرد احتفاء، يصبح عنصرًا محوريًا في صناعة أجيال متوازنة، ترى في التفوق مسارًا أخلاقيًا وتربويًا ينعكس أثره على المجتمع بأكمله.

أما نحن في المملكة العربية السعودية، ومن خلال مسيرتي في القيادة والإدارة المدرسية، لم يكن التفوق الدراسي رقمًا يُضاف إلى سجل الإنجاز بقدر ما كان نافذة أطلّ منها على أعماق النفس الطلابية، فأرى كيف يتشكل الوعي، وكيف تنمو القيم، وكيف يمكن للنجاح أن يكون معلمًا صامتًا للأخلاق قبل أن يكون شاهدًا على الذكاء.

في حالات التفوق الحقيقي، يبرز الطالب المتوازن قبل الطالب المتفوق؛ ذلك الذي يقترن اجتهاده بالتواضع، وطموحه بالمسؤولية، وإنجازه بالقدرة على الإسهام الإيجابي في محيطه المدرسي. وقد كشفت لي التجربة أن التفوق حين يُدار تربويًا يثمر سلوكًا راقيًا، ويصنع نماذج يُحتذى بها داخل الصف وخارجه.

المدرسة التي تكرّم التفوق بوصفه قيمة شاملة، لا نتيجة اختبار، تُسهم في ترسيخ معانٍ أخلاقية عميقة لدى الطلاب؛ فيتعلمون أن التميز اقتران بالالتزام، وأن الريادة تعني خدمة الآخرين قبل التقدّم عليهم. رأيت طلابًا متفوقين يتحولون إلى داعمين لزملائهم، ومبادِرين في العمل الجماعي، وحريصين على صورة المدرسة وقيمها، وهو ما يؤكد أن التفوق حين يُحتضن برؤية تربوية يتحول إلى طاقة أخلاقية مؤثرة.

كما لاحظت أن أسلوب تعامل الإدارة والمعلمين مع المتفوقين يحدد مسار انعكاس التفوق؛ فالتقدير المتزن يعزز الثقة دون غرور، والتوجيه الحكيم يصقل الشخصية دون ضغط، والقدوة العملية تغرس في الطالب قناعة أن النجاح مسؤولية مستمرة. وفي المقابل، فإن حصر التفوق في مظاهر شكلية قد يفرغه من أثره القيمي، ويحد من دوره التربوي.

إن خلاصة تجاربنا تؤكد أن التفوق الدراسي فرصة تربوية ثمينة، وأن المدرسة الواعية هي التي تستثمره لبناء الإنسان قبل صناعة النتائج. فحين يتلاقى العلم مع الأخلاق، والتفوق مع القيم، نكون أمام جيل يدرك أن النجاح الحقيقي هو ما ينعكس أثره سلوكًا، ووعيًا، وإسهامًا نافعًا في المجتمع.