بقلم- حمد حسن التميمي
لطالما ساد انطباع نمطي لدى مراسلي الوكالات الغربية وهم يغطون أخبار منطقتنا، بأن كل مراجعة لخططنا هي "تراجع"، وكل إعادة ترتيب للأولويات هي "اعتراف بالفشل".
هكذا، وبخفة مهنية معهودة، طارت "بلومبيرغ" وأخواتها بخبر إعادة جدولة بعض مشاريع رؤية المملكة 2030، وكأنهم عثروا على الثغرة التي انتظروا طويلاً ليرموها بحجارة التشكيك.
لكن الحقيقة التي تغيب عن غرف الأخبار المزدحمة بالبيانات الجافة، هي أن ما يحدث في الرياض اليوم ليس انكفاءً بل هو قمة "النضج الاستراتيجي"؛ إنها اللحظة التي يقرر فيها الربان أن مصلحة السفينة تقتضي تهدئة المحركات قليلاً لتجاوز العاصفة، لا لأن السفينة تائهة، بل لأن الوصول للوجهة بسلام أهم بكثير من الوصول السريع الذي تمليه رغبة الجمهور في التصفيق.
هذا الفهم المنقوص للعقلية الخليجية الجديدة ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج اعتياد هؤلاء على رؤية منطقتنا كساحة لتنفيذ وصفاتهم الجاهزة، وحين قررت السعودية تماماً كما فعلت قطر من قبلها أن تقود دفة اقتصادها بقرار ينبع من "سيادتها المالية" لا من تقارير المحللين، اختل ميزانهم.
إن "احترافية المناورة" التي نراها اليوم تعكس تحولاً جذرياً في الشخصية القيادية للمنطقة؛ فلم يعد الإبهار البصري بالخرسانة والزجاج هو الهدف الأوحد، بل أصبح "العائد النوعي" وحماية ثروات الأجيال من تقلبات الفائدة العالمية هو البوصلة الحقيقية، وهذا النوع من الحكمة هو ما يحمي الأوطان من فخاخ الديون والارتهان لتقلبات الأسواق التي لا ترحم.
ولكي تكتمل هذه الصورة القيادية، لا بد من الانتقال من مرحلة "إدارة الحلم" إلى "إدارة الواقع"، وهو ما يتطلب امتلاك شجاعة المراجعة الجريئة؛ فالحلول الحقيقية تكمن اليوم في تبني سياسات "الرشاد المالي" التي تركز على المشاريع ذات الأثر الاجتماعي والاقتصادي المباشر، وتركيز الجهد على تمكين الكوادر الوطنية لتكون هي المحرك الحقيقي وليس مجرد مستهلك للشركات العابرة للقارات.
النصيحة هنا ليست للرياض وحدها، بل لكل مشروع نهضوي عربي: لا تجعل من "التاريخ النهائي" قيداً يخنق الإبداع، بل اجعل من "المرونة" رداءً يقي مشروعك من تقلبات المناخ الاقتصادي، فالعالم لا يحترم المتمسكين بالأوهام، بل يحترم الذين يعرفون متى يضغطون على المكابح لينطلقوا لاحقاً بسرعة الصاروخ.
وبالنظر إلى الأفق البعيد، فإنني أتنبأ بأن السنوات القليلة القادمة ستشهد ولادة "النموذج السعودي الرشيق"؛ سنرى مدناً ومشاريع تولد أكثر ذكاءً وأقل كلفة، وستتحول المملكة إلى مرجع عالمي في كيفية تحويل "الرؤى الطموحة" إلى "واقع مستدام" يتجاوز ضجيج الدعاية.
هذا الاستشراف ليس مبنياً على التفاؤل المجرد، بل على رؤية دولة تمتلك الجرأة لتقييم نفسها أمام الملأ، وهي خصلة لا تملكها إلا الدول الواثقة من جذورها.
العالم سينتظر طويلاً ليرى "الاصطدام بالواقع" الذي تنبأت به الصحافة، لكنه لن يجد إلا واقعاً جديداً قد تشكل، صلباً كالجبال، ومرناً كرمال الصحراء التي تعرف كيف تحتوي الريح.
في نهاية هذا المشهد، يبقى الرهان دائماً على تلك القدرة العجيبة لأوطاننا على قلب الطاولة في اللحظة الأخيرة.
إن الرياض وهي تخفض وتيرة الضجيج، إنما تفعل ذلك لتسمع صوت احتياجاتها الحقيقية بوضوح أكبر، مؤكدة أن "الخليجي الجديد" لم يعد يكترث بما يُكتب عنه في صحافة لندن ونيويورك بقدر ما يكترث بما سيبقى لأحفاده في هذه الأرض.
هي رحلة اكتشاف الذات التي تبدأ حين نتوقف عن محاولة إبهار الآخرين، ونبدأ في بناء البيت الذي يشبهنا، بقرارنا نحن، وبعرقنا نحن، ولأجلنا نحن.. لتبقى النهاية دائماً، وكما كانت دوماً، قصة نحن من نختار مدادها، ونحن من يضع في آخر السطر نقطة الواثق.