النهار

٢٨ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ يناير-٢٠٢٦       10835

بقلم ـ أ. حذامي محجوب 

   لم يعد السؤال المطروح اليوم : ماذا تمنحنا شبكات التواصل الاجتماعي؟

  بل : ماذا تسلبنا… ومن أي عمر تبدأ الفاتورة ؟.

    بعد أستراليا، ومن قلب التجربة الأوروبية، اختارت فرنسا أن تقطع الشك بالقرار : منع القاصرين دون الخامسة عشرة من ولوج شبكات التواصل الاجتماعي . 

   قرار وُصف رسميًا بـ " المرحلي " ، لكنه في العمق إعلان اعتراف متأخر بأن ما يجري لم يعد شأنا تربويا هامشيا ، بل معركة مفتوحة حول مصير الإنسان في زمن الرأسمالية الرقمية .

    ما عاد الفضاء الرقمي مجرد ساحة تعبير أو أداة ترفيه ، بل تحوّل إلى منظومة نفوذ ناعمة ، تعيد هندسة الوعي ، وتعيد ترتيب القيم ، وتستثمر ببرودة حسابية في هشاشة الطفولة والمراهقة بوصفها منجما للربح طويل الأمد. 

  خوارزميات لا تُربي ولا تُهذّب ، بل تُغري ، تُدمن ، تدفع إلى الاستهلاك النفسي قبل المادي.

  المخاطر لم تعد افتراضات أخلاقية، بل حقائق موثّقة : إدمان مبكر، قلق واكتئاب، تنمّر رقمي ، تطبيع مع العنف الرمزي ، تآكل القدرة على التركيز، وانحسار التعلم العميق . 

    منصات وعدت بالربط فأنتجت عزلة ، وبالمعلومة فأغرقت العقول بالضجيج ، وبالحرية ففرضت خوارزميات لا ترى في الإنسان سوى " بيانات قابلة للبيع "!.

 وفي هذا السياق، يبدو المنع المؤقت محاولة يائسة لكن ضرورية لاستعادة زمن مسروق من أعمار صغيرة ، وإعادة الاعتبار للتنشئة الاجتماعية الواقعية ، وللعلاقات الإنسانية التي لا تُقاس بعدد الإعجابات، وللمدرسة كفضاء معرفة لا كساحة إشعارات متواصلة.

  صحيح أن هذا الخيار محفوف بالتحديات : فضاء رقمي بلا حدود، صعوبة التحقق من العمر دون انتهاك الخصوصية ، قابلية التحايل التقني ، ومقاومة مراهقين باتت المنصات جزءًا من تعريفهم لذواتهم. 

  كما تُثقل المؤسسة التربوية بأعباء جديدة بين منطق المنع وضرورة المرافقة ، في ظل غياب سياسات رقمية تربوية متكاملة.

 لكن ما يمكن كسبه ليس تفصيلا ثانويًا :

جيل أقل عرضة للاستغلال التجاري، أقدر على بناء هويته خارج منطق " الترند " ، وأكثر تحررًا من إدمان خفي يُسوّق في هيئة متعة. قد لا يكون المنع حلا سحريًا، إن لم يُدعّم بتربية رقمية حقيقية وبدائل ثقافية جذابة، لكنه ـ في ميزان الضرر والمنفعة ـ يظل أقل قسوة من ترك العقول الغضة رهينة خوارزميات عمياء لا أخلاق لها ولا عاطفة.

 ان التجربة الفرنسية لا تقدّم وصفة جاهزة للاستنساخ ، لكنها تفتح نقاشًا شجاعًا حول حدود الحرية الرقمية ، ومعنى الحماية، حين تتقاطع التكنولوجيا مع المصالح الاقتصادية الكبرى .

وهنا، يفرض السؤال نفسه بإلحاح مؤلم:

هل آن الأوان أن نطرح نحن أيضًا، في مجتمعاتنا العربية ، سؤال القيود والمنع لا بوصفه قمعًا ، بل باعتباره فعل حماية؟ . 

أم سنواصل تسليم أجيالنا القادمة ، طوعًا ، إلى شاشة تعرف عنهم كل شيء… ولا تكترث بمصيرهم؟ .