النهار

٢٨ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٨ يناير-٢٠٢٦       11715

بقلم - عبدالله الكناني 
"تتسارع في عالمنا التحولات السياسية والإعلامية، وتتزايد معها محاولات التشويش وصناعة الالتباس، وهنا تبرز الدول التي تمتلك وضوح الرؤية وصلابة القرار بوصفها نماذج قادرة على الجمع بين الحزم والاعتدال، دون أن تقع في فخ التطرف أو الميوعة، أو تنزلق إلى خطابٍ انفعالي يستهلك ذاته دون أثر."

إن "المملكة" بقيادتها الحكيمة ورؤيتها الطموحة التي تنطلق من قيم إنسانية راسخة، وتستند إلى معانٍ سامية في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية، لا تحتاج إلى المبالغة في تبرير مواقفها، ولا إلى الضجيج الإعلامي لإثبات أعمالها؛ فأفعالها شاهدة للعيان، وقدرتها على تحويل الرؤية إلى سياسات، والطموحات إلى منجزات ملموسة، تمثل أصدق دليل على ذلك.
وفي هذا الإطار، تمثل "القيادة الحكيمة" حجر الزاوية في بناء مشروع وطني متماسك، حيث يُدار القرار السياسي بوعيٍ استراتيجي يوازن بين المصالح الوطنية العليا ومتطلبات الانفتاح على العالم، ويُحسن قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية دون ارتهان لها،فالقوة هنا ليست استعراضًا، بل ضبطًا للمسار، والحزم ليس قسوة، بل حماية للثوابت وصيانة للاستقرار.

أما على "المستوى الإعلامي"، فإن المعركة لم تعد مقتصرة على نقل الخبر، بل تجاوزته إلى صناعة الوعي، ومواجهة حملات التضليل، وكشف التناقض بين الخطاب والفعل,فالإعلام المسؤول شريك أصيل في المشروع الوطني، لا يكتفي بترديد الرسائل، بل يسهم في "تفكيك السرديات المضللة"، وفضح الازدواجية، وتسليط الضوء على الحقائق بلغة مهنية واضحة لا تنحاز إلا للوطن ومصالحه العليا.

وفي مقابل هذا النموذج المتزن، تظهر تجارب إقليمية اختارت طريقًا مغايرًا، يقوم على توسيع النفوذ خارج الحدود، أو التأثير في شؤون دول أخرى، عبر تحالفات صلبة حينًا، ولغة تواصل ناعمة حينًا آخر، أو بالاستناد إلى قوى خارج السياق الحضاري والثقافي للأمة. 
ويزداد هذا النهج إشكالية حين يُبنى على الاستقواء بخصوم تاريخيين، أو تبرير التحالف معهم بخطابٍ سياسي وإعلامي يحاول إعادة تعريف الثوابت، أو تسويق التطبيع بوصفه واقعية سياسية، بينما تُناقضه الوقائع وتُكذّبه الممارسات.
"ومن هنا"، فإن التعامل مع من يعملون بوجهين مختلفين، أو ينشرون الخطاب الناعم ويمارسون أفعالًا مناقضة له، لا ينبغي أن يكون بردود فعل عاطفية، ولا بصمتٍ يُفسَّر ضعفًا، بل يتطلب نهجًا مؤسسيًا واضحًا: تنبيهًا أولًا، وفرصةً للتصحيح ثانيًا، ثم موقفًا حازمًا عند الإصرار، لأن التساهل مع الازدواجية يفتح ثغرات في جدار الثقة، ويُضعف الرسالة الوطنية للأمة  في الداخل والخارج.
ولا يقل خطورة عن ذلك "بروز أصوات سياسية وإعلامية تنتمي شكليًا إلى الجسد العربي والإسلامي"، لكنها تغرّد خارج سياقه القيمي والوطني، وتسهم – بوعي أو بدونه – في تمييع المواقف، أو شرعنة التحالف مع من لا يرون في المنطقة إلا ساحة مصالح ونفوذ. 
وهي أصوات قد تُجيد اللغة، لكنها تعجز عن مواءمة الخطاب مع وجدان الأمة وتاريخها.

ولا يقل دور "الشعب الواعي" الطموح أهمية عن دور القيادة، إذ إن التلاحم بين القيادة والمجتمع يمنح القرار السياسي عمقه، ويمنح الخطاب الإعلامي صدقيته ،فالدعم الشعبي الحقيقي لا يقوم على المجاملة، بل على الإدراك العميق بأن "الريادة" التي تُجنى اليوم هي نتاج مسار طويل من القرارات الشجاعة، والإصلاحات الجريئة، والشفافية التي لا تخشى النقد بل تستفيد منه.
"إن المجد للوطن والأمة لا يُصنع بخطابات منمقة تُكذّبها الوقائع، ولا بمواقف رمادية تُراوغ في لحظة الحسم" فالتاريخ لا يحتفظ إلا بمن كانت أفعالهم على مستوى أقوالهم، ومن التزموا طريق العمل الجاد لا طريق الادعاء،ومن لم يسلك دروب البناء الحقيقي، فلن يبلغ منصة الإنجاز، وسيبقى المجد بعيدًا عنه مهما علت نبرته أو اتسعت منصاته.

"وهكذا، فإن الريادة الوطنية ليست حالة عابرة، بل مشروع دولة، تحميه قيادة واعية، ويسنده إعلام مسؤول، ويعضده شعب يؤمن بأن الاعتدال قوة، وبأن الحزم ضرورة، وبأن الإنسانية ليست ضعفًا، بل أعلى درجات الحكمة السياسية".