النهار

٢٧ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ يناير-٢٠٢٦       5610

بقلم - سيماء المزوغي

من يتابع منتدى الرياض الدولي للإعلام من خارج الجغرافيا السعودية، يلتقط دون أدنى شك أن الأمر يتجاوز حدثًا إعلاميًا تقليديًا. المنتدى يقدّم رؤية استشرافية متكاملة للإعلام بوصفه منظومة حية، تتقاطع فيها الثقافة مع الاقتصاد، والتقنية مع السياسات العامة، والمحتوى مع الاستثمار طويل المدى، حيث تفتح هذه الرؤية بابًا واسعًا للتفكير في مستقبل الإعلام العربي، وتضع أمام الإعلام التونسي فرصة ثمينة للتأمل، والمقارنة، واستلهام مسارات تطوير جديدة.

الرؤية التي يقترحها المنتدى تنطلق من فهم عميق لطبيعة التحولات العالمية. إذ يعيش الإعلام، في هذا التصور، داخل زمن رقمي سريع، تتحرك فيه القيمة من الخبر إلى المعرفة، ومن الرسالة إلى الأثر، ومن المنتج الفردي إلى سلسلة متكاملة تشمل الإنتاج، التوزيع، البيانات، والتقنيات.. هذا الوعي يظهر في سياسة بعث المنتدى وفي محاوره، وفي طريقة تنظيمه، وفي اختيار ضيوفه، وفي اللغة التي تُدار بها النقاشات، حيث يتجاور صانع القرار مع الممارس، ويجلس المستثمر إلى جانب الصحفي والمبدع.
يقدّم المنتدى نموذجًا في التفكير الاستراتيجي، يقوم على ربط الإعلام بالاقتصاد الوطني،  إذ يقرأ الإعلام هنا كقطاع منتج، قادر على خلق فرص عمل، واستقطاب استثمارات، وبناء سمعة دولية للدولة. وهذه المقاربة تمنح الإعلام وزنًا جديدًا داخل السياسات العامة، وتجعله جزءًا من التخطيط الاقتصادي طويل المدى، وهو ما ينسجم مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد الرقمي عالميًا.
من هذه الزاوية، تظهر أهمية  الرؤية السعودية  بالنسبة للإعلام التونسي.. تونس تملك رصيدًا ثقافيًا وإنسانيًا غنيًا، وتجربة إعلامية متراكمة، وطاقات شابة ذات كفاءة عالية. غير أن هذه العناصر تحتاج إلى إطار استراتيجي جامع، ورؤية جامعة، تربط بين الإبداع الإعلامي، والتشريع، والاستثمار، والتكوين المستمر. إذ أنّ تجربة المنتدى تبرز كيف يمكن لمنصة واحدة أن تلعب هذا الدور الجامع، وتخلق مساحة حوار مستدامة بين مختلف الفاعلين في القطاع.
إنّ أحد أهم الدروس التي يقدّمها المنتدى يتمثل في إدارة العلاقة بين الإعلام والتقنية. الذكاء الاصطناعي، التحولات الرقمية، وتحليل البيانات تُطرح داخل المنتدى بوصفها أدوات تطوير، وليست تهديدًا للهوية أو للممارسة المهنية. هذا المنطق يفتح أمام الإعلام التونسي أفقًا جديدًا، حيث يمكن للتقنية أن تصبح شريكًا في تحسين جودة المحتوى، وتوسيع دوائر الوصول، وابتكار نماذج اقتصادية جديدة تحمي استقلالية المؤسسات الإعلامية.
كما يلفت المنتدى الانتباه إلى أهمية المصداقية وصناعة التأثير في زمن تتسارع فيه المعلومات. النقاشات المطروحة تعكس وعيًا بأن الثقة تُبنى عبر الجودة، والاستمرارية، والشفافية، وهي عناصر تشكل ركيزة لأي مشروع إعلامي يسعى إلى الحضور الإقليمي والدولي. هذا البعد يحمل قيمة خاصة للإعلام التونسي، الذي يملك تجربة ثرية في الصحافة النقدية، ويستطيع تطويرها ضمن رؤية مهنية واقتصادية متوازنة.
وتتجلى الرؤية الاستشرافية للمنتدى أيضًا في الاستثمار في الإنسان. برامج تنمية القدرات، إشراك الخبراء الدوليين، وتقدير الممارسين الفعليين في القطاع، كلها عناصر تؤكد أن الإعلام يُبنى بالكفاءات قبل الأدوات. هذا التوجه يمنح الإعلام التونسي نموذجًا عمليًا لتطوير التكوين الإعلامي، وربطه بحاجيات السوق، وبالتحولات العالمية في صناعة المحتوى.
من بعيد، يظهر المنتدى كمساحة تفكير جماعي في مستقبل الإعلام، وليس فقط كحدث احتفالي أو موسمي. هذه الفكرة تحمل رسالة واضحة للإعلام التونسي: المستقبل يُصنع عبر رؤية طويلة النفس، ومنصات حوار دائمة، وتعاون حقيقي بين الدولة، المؤسسات، والمجتمع المهني. التجربة السعودية، كما تتجلى في المنتدى، تبيّن كيف يمكن للإعلام أن يتحول إلى رافعة ثقافية واقتصادية في آن واحد.

تمثل الرؤية الاستشرافية لمنتدى الرياض الدولي للإعلام مصدر إلهام حقيقي للإعلام العربي، والتونسي، الاقتداء هنا لا يعني النسخ، بل قراءة التجربة، وفهم منطقها، وتكييفها مع الخصوصية التونسية. فالإعلام التونسي يملك ما يؤهله للقيام بهذا التحول، حين تتوفر له رؤية واضحة، ومنصات جامعة، وإرادة جماعية ترى في الإعلام مستقبلًا، واستثمارًا، ودورًا حضاريًا في صياغة الوعي وبناء الاقتصاد المعرفي.