النهار

٢٦ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يناير-٢٠٢٦       8250

بقلم - الدكتور/ محمد الحقيب الغامدي

لم تكن المرأة يوماً ظلاً للرجل ولا صورة مكررة عنه .
 بل جاءت إلى هذا العالم بإيقاعها الخاص وبنيتها المتفردة ودورتها العميقة التي تتبدل كما تتبدل الفصول .
 وهذه الحقيقة لم تنتظر مختبراً ليعلنها ولا مجهراً ليكتشفها بل قالها الوحي بهدوء العارف منذ أكثر من أربعة عشر قرنا .
فالمرأة في تكوينها الجسدي والنفسي كائن دوري تتغير استجاباته مع تغير مراحله وتتلون مشاعره مع تبدل حالاته .
 وهذا ما انتهى إليه العلم الحديث بعد رحلة طويلة من البحث حين استقر الطب العصبي وعلم الغدد الصماء على ما يعرف اليوم بنظرية ( الدماغ الأنثوي والدورة الهرمونية ) ... وهي نظرية تؤكد أن المرأة تتأثر نفسياً وسلوكيا وعاطفياً بتغيرات دورية في الهرمونات وعلى رأسها  ( الإستروجين ) المتعلق بالأنوثة .
 و (البروجستيرون ) المتعلق بالاستقرار النفسي . 
و (الأوكسيتوسين ) المتعلق بالحب ودفء العلاقة .
 وأن هذه التغيرات لا تقف عند حدود الجسد بل تمتد إلى المزاج والذاكرة والتعاطف وطريقة اتخاذ القرار .
وقد صاغت هذه الرؤية علمياٍ بشكل معاصر الطبيبة الأمريكية ( لوآن بريزندين ) التي بينت أن دماغ المرأة يعاد تشكيله هرمونياً مرات متعددة عبر حياتها في البلوغ وفي الدورة الشهرية وفي الحمل والولادة والرضاعة ثم في سن  اليأس .
وأن هذا التشكيل المتكرر ليس عرضاً عابرا بل حقيقة تصنع اختلافاً حقيقياً في الاستجابة النفسية والعاطفية والسلوكية.
واليوم يقول العلم بوضوح إن المرأة ليست كائنا ثابتا وإن فهمها لا يتم بمعايير الرجل ولا بقياسها عليه وهذه النتيجة التي احتفى بها العلم بوصفها اكتشافا حديثا كانت حاضرة في الوحي منذ بداياته .
فالقرآن الكريم يقرر هذه القاعدة الفطرية بكلمة موجزة تحمل من العمق ما لا تحمله مجلدات ...
﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ﴾
آية لا تنتقص ولا تفضل بل تكشف الحقيقة كما هي اختلافا في التكوين وتنوعا في الدور وتكاملا في الوظيفة .
ثم جاءت السنة النبوية ببيان أدق وأعمق حين قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ما رأيتُ من ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أذهبَ للبِّ الرجلِ الحازمِ من إحداكن ) .
حديث أسيء فهمه طويلاً بينما هو في جوهره وصف فسيولوجي ونفسي بالغ الدقة فنقص العقل ليس نفياً للذكاء بل إشارة إلى غلبة العاطفة والتأثر الدوري .
 ونقص الدين ليس انتقاصاً من الإيمان وإنما مرتبط بحالة جسدية تُرفع فيها بعض العبادات رحمة وتخفيفا بها .
ولم يبق هذا الفهم حبيس النصوص بل نزل إلى أرض التشريع فأسقطت الصلاة والصيام زمن الحيض وخففت التكاليف زمن الحمل والرضاعة وجعلت النفقة والقوامة على الرجل لا تقليلاً من شأن المرأة بل حماية لها واعترافا
بخصوصية تكوينها .
العلم يقول اليوم إن المرأة أكثر حساسية عاطفية والوحي قال : ( رفقاً بالقوارير ) .
العلم يقول إن التغير الهرموني يؤثر في القرار والتكليف فجاء التشريع الإسلامي أكثر رحمة واتزاناً .
العلم يكتشف متأخراً والوحي يقرر مبكراً .
وهكذا كلما تقدم العلم خطوة عاد ليقف عند عتبات الوحي يقرأ ما كُتب من قبل ... لا بلغة المختبر بل بلغة الخالق سبحانه .
فالإسلام لم يكرم المرأة بالضجيج ولم ينصفها بالشعارات بل فهمها كما هي جسداً وروحاً ودورة وتكويناً .
 ولذلك بقيت تشريعاته صالحة لكل عصر وقادرة على احتواء كل اكتشاف .
وكلما تغيرت أدوات الفهم بقي الوحي ثابتاً هادئاً سابقاً .
لأن الذي خلق هو الأعلم بمن خلق سبحانه .