النهار

٢٦ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يناير-٢٠٢٦       7095

بقلم -  د. غالب محمد طه
في الأيام الماضية، ظلّ وجه العنود يطلّ عليّ في لحظاتٍ متفرقة، كأنها تذكّرني بأن هناك قصة لم أكتبها بعد؛ قصة كانت تنتظر أن أقترب منها بهدوء، دون استعجال، بعد أن أستوعب فكرة أنها فقدت أسرتها دفعة واحدة، وأن طفلة في هذا العمر يمكن أن تصبح يتيمة قبل أن تتعلم حتى كيف تعبّر عن خوفها.

وجه طفلة تحاول أن تبدو أقوى مما هي عليه، لكنها لا تعرف كيف تخفي ارتجاف صوتها أو كيف تشرح ما حدث لها.

وربما لأن الأب في داخلي يعرف هذا النوع من الدموع، تلك التي لا تحتاج إلى كلمات كي تُفهم، شعرت بأن شيئًا في داخلي يتحرك كلما رأيتها.

كنت أؤجل الكتابة عنها، لا لأن اللغة خانتني، بل لأن الحزن حين يقترب من الأطفال يصبح أثقل من أن يُحمل بسهولة.
جلست العنود على سريرها في مستشفى الملك فهد التخصصي بمدينة بريدة، وعيونها تتنقل بين الوجوه، تبحث عن أي علامة تقول لها إن العالم لم ينهَر تمامًا.

قبل ساعات قليلة كانت تمسك يد أمها، تضحك مع إخوتها، وتلتفت إلى أبيها بثقة يعرفها كل أب.

ثم اختفى كل ذلك فجأة، ووجدت نفسها في مكان غريب، محاطة بأجهزة وأصوات لا تعرفها، تحاول أن تفهم كيف يمكن للحياة أن تنقلب بهذه السرعة، وكيف يمكن لطفلة أن تستوعب أن كل من كانت تعرفهم لم يعودوا هنا.
حين طلبت أن تبقى مع جدتها، خرج صوتها خافتًا، لكنه واضح، يكشف حجم الخوف الذي تحمله.

لم تطلب امتيازًا، ولا استثناءً، فقط شعورًا صغيرًا بالأمان، شيئًا بسيطًا يمكن أن يمسك قلبها قبل أي شيء آخر.

كلماتها قليلة، لكنها ثقيلة جدًا، لأنها خرجت من قلب تعلم معنى الفقد قبل أوانه.
الناس حولها لم يتركوا لحظة تمر دون أن يشعروا بها.

الممرضات يبتسمن لها، يضعن أيديهن على كتفها، يسألن عن شعورها، يحاولن أن يخففن عن قلبها الصغير ما لم تستطع الكلمات أن تفعله.

الزوار يقتربون بهدوء، يبتسمون، يخففون صمتها الكبير، ويجعلونها تشعر بأن العالم ما زال موجودًا.
ثم وصل الأمير فيصل بن مشعل، أمير منطقة القصيم. جلس بجانبها، استمع إليها، نظر في عينيها، واطّلع على حالتها.

لم يكن هناك بروتوكول أو كلمات رسمية، كان حضوره صادقًا يخفف عن قلبها ما تركه الحادث من فراغ.

رأيتها ترتاح لذلك الوجود، كأن العالم الذي انهار قليلًا بدأ يرتب نفسه مرة أخرى.
السعودية لم تكن بالنسبة لها المكان الذي وقع فيه الحادث، بل كانت الحضن الذي احتضنها حين انهار كل شيء.

من رعاية المستشفى، إلى كلمات الناس، وصولًا إلى اهتمام القيادة، كان كل شيء ملموسًا، حاضرًا، يجعل قلبها يشعر بأن الأمان ما زال موجودًا، وأن العالم حولها لم ينتهِ بعد.
القصة ليست عن حادث، ولا عن زيارة رسمية، ولا عن مقطع انتشر.

هي عن طفلة تحاول أن تتعلم من جديد كيف تثق بالعالم، وكيف تمشي خطوة أخرى بعد أن فقدت كل شيء دفعة واحدة.

وعن مجتمع أدرك أن الأمان ليس كلمة، بل فعل، وأن الأطفال يحتاجون إلى أن يشعروا بالوجود الحي من حولهم قبل أي شيء آخر.
رحم الله والديها، فصوتها القوي واليقين الذي حملته كلماتها نتاج طبيعي لتربية تلقتها وثقة زُرعت فيها طوال حياتها القصيرة.

كأنهما كانا معها في كل لحظة، رغم غيابهما الكامل، ومع كل ما قدمه لها من حولها.
ويبقى السؤال مفتوحًا، صادقًا، ومؤلمًا: كم من الآباء يرحلون، ويتركون في أبنائهم ما يكفيهم ليقفوا… ولو وحدهم؟