النهار
بقلم - طارق محمود نواب
حسّاد بلادي ليسوا طارئين على المشهد، ولا وليدي لحظةٍ عابرة، حسّاد بلادي حالةٌ قديمة تتبدّل أسماؤها وتتشابه وجوهها وتبقى عقدتها واحدة، أن هذه البلاد تمضي… وهم واقفون.
يحسدون بلادي لأنها اختارت طريقها مبكرًا، ومضت فيه بثقة من يعرف من يكون، لا تلتفت للضجيج، ولا تُربكها الأصوات العالية، بل تمشي بخطواتٍ محسوبة تعرف متى تُسرع، ومتى تُبطئ، ومتى تصمت… ومتى تُنهي الجدل بالفعل.
فيحسدون السعودية العظمى لأنها لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على عمق الرؤية، وثبات القرار، وحساب المستقبل قبل أن يصل. وما يزعجهم ليس مشروعًا واحدًا، ولا منجزًا عابرًا، بل دولة تُراكم النجاح كما تُراكم الخبرة، وتحوّل الطموح إلى خطط، والخطط إلى واقع، والواقع إلى نموذجٍ يُعاد النظر إليه لا يُتجاوز.
فيحسدون بلادي لأنها حين تغيّر لا تخلع جلدها، وحين تتطور لا تتبرأ من أصلها، وحين تنفتح على العالم تفعل ذلك من موقع الندّ لا التابع، ومن منطق الشراكة لا الاستجداء.
يحسدونها لأنها جمعت بين الهيبة والمرونة، وبين الحزم والعقل، وبين الجرأة والحساب، دون أن تختلّ بوصلة الاتجاه.
ويحسدون السعودية العظمى لأن قرارها يُصنع داخلها، ولأن سيادتها ليست شعارًا يُرفع ولا ورقة تُساوَم، بل ممارسة يومية هادئة، واثقة، وحاسمة حين يلزم الحسم. يحسدونها لأنها لا تشرح نفسها طويلًا، فالأثر يسبق البيان، والنتيجة تُغني عن الخطابة.
ويحسدونها لأنها حين تخطئ تُراجع، وحين تُراجع تُصحّح، وحين تُصحّح تمضي دون تبريرٍ أو اعتذارٍ مفتعل.
يحسدونها لأنها تعرف أن البناء الحقيقي لا يتم أمام الكاميرات، بل في عمق المؤسسات، وفي صمت التخطيط، وفي صبر التنفيذ.
يحسدونها لأنها استثمرت في الإنسان قبل الحجر، وفي الوعي قبل الواجهة، وفي الاستدامة قبل اللحظة. لأن الزمن في حسابها ليس سباقًا للاستعراض، بل أداة عمل، وكل مرحلة عندها حلقة في سلسلة لا تنقطع.
ويحسدونها لأنها حين تحضر، تحضر بثقل الدولة لا بخفة الشعارات، وحين تتحدث تُنصت لها العواصم، وحين تتحرك يُعاد ترتيب الحسابات. لأن حضورها تجاوز حدود الجغرافيا إلى موازين التأثير، وصار رقمًا صعبًا في معادلات الإقليم والعالم.
يحسدونها لأن أمنها ليس صدفة، واستقرارها ليس مجاملة، ومكانتها ليست هدية.
لأنها بُنيت بتراكم الحكمة، وحُميت بوضوح الرؤية، واستمرت لأنها عرفت متى تقول نعم، ومتى يكون الصمت أبلغ، ومتى يكون الحسم ضرورة.
يحسدونها لأن الثابت عندها ليس عائقًا، بل أساس انطلاق، ولأن الحداثة عندها ليست قطيعة، بل امتداد ذكي للجذور. ولأنها لم تدخل المستقبل متخلية عن هويتها، بل حملتها معها كقوة إضافية.
وحسّاد بلادي يتقنون عدّ الأخطاء، لكنهم يعجزون عن قراءة الصورة الكاملة، يراقبون التفاصيل الصغيرة لأن الكلّ الكبير أكبر من قدرتهم على الاستيعاب.
فهم لا يغضبون من قوة الاقتصاد وحده، ولا من الحضور السياسي فقط، بل من فكرة أن هذه البلاد استطاعت أن تجمع ما ظنّوه مستحيل الجمع.
والمفارقة أن حسّاد بلادي هم الدليل غير المقصود على عظمتها؛ فلا أحد يحسد الضعيف، ولا ينشغل بالهش، ولا يُستفز إلا من يملك وزنًا حقيقيًا في المشهد.
أما نحن، فنحن أبناء السعودية العظمى، نعرف أن الطريق لا يُشرح بل يُسلك، وأن الإنجاز لا يحتاج ضجيجًا بل استمرارية، وأن الدولة التي تعرف نفسها لا تقلق من أصوات العابرين.
حيث سيبقى الحسد ضوضاء في الخلفية، وستبقى السعودية العظمى تمشي إلى الأمام وهذا هو الفارق كله.