النهار

٢٦ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ يناير-٢٠٢٦       6325

بقلم - حمد حسن التميمي

في ممرات العمل المزدحمة بالمهام والوجوه، ننسى أحياناً أن الانطباع الأول قد يدوم، لكن "الحدود" هي التي تضمن البقاء، فالمكان الذي نقضي فيه جل يومنا ليس مجرد ساحة لتأدية الواجبات، بل هو بيئة نفسية حساسة تتطلب حكمة في إدارة الظهور والغياب. نحن نعيش في عصر يُمجد التواصل المستمر، إلا أن الحقيقة المهنية الصارمة تخبرنا بأن القيمة الحقيقية لا تكمن في كثرة الضجيج، بل في ذلك الأثر الصامت الذي يتركه الإنجاز المتقن، ومن هنا تنبثق ضرورة تبني "دستور المسافات" الذي يحفظ للعمل قدسيته وللذات هيبتها.

إن الذكاء المهني يبدأ من اللسان، فمن يتقن فن الاقتصاد في الكلام يمتلك مفاتيح المهابة؛ إذ إن كثرة الحديث لا تفتح أبواب التقارب بقدر ما تفتح ثغرات قد يُساء فهمها أو استغلالها. أن تكون ودوداً ولطيف المعشر هو رقي إنساني ومهارة تواصل لا غنى عنها، لكن الفخ يكمن في كسر حاجز "الزمالة" للتحول إلى "صديق" للجميع. فالعمل في جوهره هو مساحة إنجاز، لا منصة للفضفضة الشخصية التي قد تُذيب الهوية المهنية وتجعل أوراقك مكشوفة أمام الجميع. إن الوضوح في المهام مع التحفظ في الخصوصيات هو الدرع الذي يحميك من تبعات القرب الزائد، ويجعل حضورك مرتبطاً دوماً بالكفاءة لا بالثرثرة.

وبالنظر إلى المستقبل، أتنبأ بأن "الاستقلال النفسي" داخل بيئات العمل سيصبح العملة الأغلى في السنوات القادمة؛ فمع تزايد أنظمة العمل المرنة والذكية، سيتلاشى الاهتمام بمن يتحدث أكثر، ليتركز الضوء فقط على من ينجز بذكاء. سنرى جيلاً مهنياً يقدس "الحدود الواضحة"، حيث يُنظر إلى الشخص الذي يحفظ خصوصيته ويقلل كلامه كقائد يمتلك زمام أمره، لا كموظف يبحث عن القبول الاجتماعي. ستتحول المكاتب من ساحات للدردشة الجانبية إلى مختبرات للإبداع المركز، حيث القيمة تُشتق من جودة الأداء لا من عدد الكلمات الملقاة في غرف الاجتماعات.

وفي الختام، إن الحفاظ على حدودك ليس دعوة للجفاء، بل هو احترام لنفسك وللمكان الذي تنتمي إليه؛ فبقدر ما تبتعد عن صغائر الأمور والثرثرة العابرة، تزداد مكانتك عظمة في أعين المحيطين بك. تذكر دائماً أن أجمل ما تتركه خلفك في أي مكان عمل هو "بصمة الإنجاز" و"سمت الوقار". فكن ذلك الشخص الذي إذا حضر أضاف بعمله، وإذا غاب افتقدوا جودة أدائه لا صوت حديثه، فالإنسان في بيئة العمل يُعرف بما قدمت يداه، لا بما نطق به لسانه.