النهار
بقلم - د. غالب محمد طه
في مساء بارد من نهاية الأسبوع، رنّ هاتفي لينبّهني بإشعار من تطبيق واتساب.
بكسل غير متعمّد، فتحت الرسالة، فوجدتها من صديقة أستاذة في إحدى الجامعات السودانية.
توقّفت قليلًا عند كلماتها المقتضبة: «أحببت أن أشاركك هذا التقرير تجاه ما يمرّ به الإعلام اليوم ومستقبله، باعتبارك مهتمة بالأمر».
قبل أن أضغط على الرابط، تسلّل إليّ شيء من القلق؛ فحين تأتي الملاحظة من شخص يعرف المهنة من الداخل، ويقرأ تحوّلاتها بوعي، يصبح للكلمات ثقل مختلف.
فتحت التقرير، وهو ملخّص اتجاهات الصحافة لعام 2026 الصادر عن معهد رويترز، ووجدت نفسي أمام واقع يستدعي التوقّف والتفكير.
يشير التقرير إلى أن وسائل التواصل لم تعد «اجتماعية» كما كانت؛ فالمحتوى لم يعد يأتي من دائرة الأصدقاء، بل من موجز تتحكّم فيه الخوارزميات ويقوده الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، تتّجه المؤسسات الإخبارية إلى استراتيجيات «الفيديو أولًا»، محاولة التكيّف مع منطق المنصّات، وبناء مجتمعاتها الخاصة، وتقليل اعتمادها على محركات البحث والمنصّات الخارجية التي فقدت استقرارها.
حتى الصفحات الرسمية للصحف على وسائل التواصل لم تعد تحقّق النتائج السابقة.
تشير البيانات إلى انخفاض الإحالات إلى مواقع الأخبار من فيسبوك بنحو 43٪ خلال العامين ونصف الأخيرين، وانخفاض الإحالات من «إكس» بنحو 46٪ خلال الفترة نفسها.
هذا التراجع لا يعني فقط تغيّرًا في مصادر الزيارات، بل يكشف تحوّلًا أعمق في سلوك الجمهور نفسه؛ فحين لا يغادر المستخدم المنصّة، يصبح المحتوى البصري السريع هو الطريق الوحيد للوصول إليه.
هذا يعكس أن المنشورات التقليدية من مقالات وروابط لم تعد تجذب مستوى التفاعل نفسه، وأن وجود الصفحة على وسائل التواصل الاجتماعي لا يضمن حركة مرور حقيقية للموقع.
المستخدم بات يفضّل الفيديو القصير الذي يُبقيه داخل المنصّة، ما يضع الصحف تحت ضغط دائم لإنتاج محتوى سريع وجاذب، من دون التفريط في الدقّة والمصداقية فالوجود الرقمي التقليدي لم يعد كافيًا، وتحويل القصة إلى أشكال بصرية مختصرة أصبح جزءًا من معادلة البقاء، خصوصًا عند مخاطبة الأجيال الشابة.
تواجه الصحافة اليوم ضغطًا مزدوجًا: تكنولوجيا تعيد تشكيل طريقة إنتاج القصص، ومشهد جديد من صنّاع المحتوى ينافسها على انتباه الناس ويغيّر عاداتهم، ولم تعد محركات البحث تقود القارئ دائمًا إلى المصدر، بل تمنحه إجابات سريعة خارج السياق، وكأن المعرفة يمكن اختزالها في جملة واحدة. السؤال لم يعد كيف نزيد عدد النقرات، بل كيف نصل إلى الناس، وكيف نبني علاقة تستحق الاستمرار.
من خلال المراقبة، تبدو القصص التي تبقى في الذاكرة هي تلك التي تُبنى على جهد حقيقي وتحقيق ميداني، لا تلك القصص التي تُكتب على عجل.
مؤسسات صحافية جادة بدأت تعود إلى جوهر المهنة: تحقيقات معمّقة، متابعة دقيقة، ومحاولة فهم الأحداث قبل نقلها.
هذه المساحات لا تستطيع الآلات اقتحامها بسهولة، لأنها تقوم على الفهم والسياق، لا على إعادة التدوير.
لكن العودة إلى الجوهر وحدها لا تكفي، فالصحفي اليوم لم يعد ناقل للخبر فقط، بل صانع تجربة للقارئ، كيف تُقدَّم القصة؟ أين تُقرأ أو تُسمع؟ وكيف يمكن أن تمتد إلى نقاش أو متابعة؟ قد تبدأ القصة بمقطع قصير، ثم تتوسّع في نص، أو حوار صوتي، أو نشرة بريدية.
المهم أن يشعر القارئ بأن هناك من يخاطبه، لا من يمرّ بجانبه.
الصحافة تحتاج أيضًا إلى العودة إلى الأماكن التي تُصنع فيها المعرفة: المدارس، والجامعات، والمراكز الثقافية، والمنتديات التي تخلق علاقة مباشرة مع الناس بعيدًا عن محتوي المنصّات الكثيف.
في السعودية مثلا، يظهر هذا التوجّه في المنتدى الإعلامي السنوي، الذي لم يعد مجرّد فعالية عابرة، بل مساحة حيّة تعكس صناعة إعلامية تحاول تجديد أدواتها ورؤيتها.
وسط كل هذه التحوّلات، تبقى الثقة هي السؤال الأشد حساسية، فالقارئ اليوم لا يمنح ثقته بسهولة، ليس لأن الصحافة فقدت قيمتها، بل لأن الرسائل تتزاحم والضوضاء تنمو وتتكاثر.
فالثقة تُبنى حين يرى القارئ كيف نعمل، وكيف نتحقّق، ولماذا اخترنا زاوية بعينها، وحين نعترف بأخطائنا قبل أن يسبقنا إليها غيرنا.
يبقى التحدّي الأكبر هو علاقة الصحافة بالجيل القادم.
القارئ لا يولد قارئًا كما كان بالأمس، بل يُصنع. والمؤسسات التي استمرّت لم تفعل ذلك لأنها خاطبت جمهورها الحالي فقط، بل لأنها استثمرت في علاقة طويلة مع أجيال جديدة، وقدّمت لهم محتوى يوقظ الفضول بدل الاكتفاء بإشباعه سريعًا.
غياب هذه الرؤية لا يعني خسارة قرّاء فحسب، بل خسارة قدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة وما يُراد له أن يُقال.
وفي جوهر كل ذلك، لا يتعلق مستقبل الصحافة بالأدوات بقدر ما يتعلق بقدرتها على حماية معناها الأصلي: الفهم قبل النشر، والإنصات قبل السرد.
فالقدرة على الإنصات هي ما يمنح السرد معناه.
ليبقى السؤال مفتوحًا: هل سيظل هناك من يروي قصصنا؟
الإجابة تتوقّف على استعدادنا للحفاظ على جوهر المهنة، وربط القصص بمن يحتاجون إلى سماعها وفهمها.