النهار

١٣ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ يناير-٢٠٢٦       7150

بقلم - د. غالب محمد طه
إنّ التنقيب في أضابير الكتب متعة لا يعرفها إلا من أَلِف رائحة الورق وأدمن طقوس القراءة. وبينما كنت أتأمل كتبًا في مكتبة منزلية هادئة، وقع بصري على كتابٍ قديمٍ مهترئ الحواف يحمل اسم عثمان الحافظ. لم أتوقع أن هذا الاكتشاف سيعيد فتح نافذة واسعة على تاريخٍ كامل من الصحافة السعودية. ما بدأ كلحظة تأمل بين رفوفٍ صامتة، تحوّل إلى رحلة في معنى التوثيق، وفي قدرة الورق على حفظ ما يتجاوز الأحداث إلى الروح التي صنعتها.
كان كتاب عثمان الحافظ «تطور الصحافة في المملكة العربية السعودية» بوابةً إلى زمنٍ تتشكّل فيه المهنة على مهل. فمن خلال صفحاته، يرصد الحافظ بدايات الصحافة في المملكة منذ صدور جريدة حجاز عام 1908م، حين كانت الصحافة تعبيرًا عن روح المرحلة وقضاياها العامة، وتغلب عليها اللغة الأدبية التي كانت سائدة في ذلك الزمن.
ثم ينتقل الكتاب إلى مرحلة لاحقة واجهت فيها الصحف تحديات مالية وإدارية، وظهرت خلالها صحف مثل القبلة وبريد الحجاز. كانت مرحلة تتشكل فيها المهنة وسط ظروف معقدة، لكنها أسهمت في ترسيخ حضور الصحافة وتوسيع دورها في المجتمع.
ومع دخول العهد السعودي، تتسع دائرة الحكاية. فالصحافة لم تعد مجرد محاولات فردية، بل بدأت تتحول إلى مؤسسات حقيقية تصدر صحفًا يومية وأسبوعية وشهرية بالعربية والإنجليزية، وتغطي مجالات تمتد من الثقافة والعلوم إلى التجارة. هذه المرحلة، التي ما تزال امتداداتها قائمة حتى اليوم، شكّلت الأساس الذي بُني عليه المشهد الإعلامي الحديث.
ورغم أن الحافظ كتب في زمن لم تكن فيه أدوات البحث متاحة، ولم يكن الوصول إلى المعلومة بضغطة زر، فإن كتابه جاء محمّلًا برصد دقيق لمسيرة المؤسسات الإعلامية وروّادها، وبصوت يمزج بين التجربة الشخصية والتحليل التاريخي. ومع كل صفحة، يجد القارئ نفسه أمام مادة لا تكتفي بسرد الماضي، بل تقدّم نموذجًا مبكرًا لتفكير إعلامي يحاول مساءلة المهنة ونقدها. لتصبح هذه الصفحات أكثر من أرشيف؛ إنها جزء من ذاكرة الوعي الصحفي السعودي.
ورغم انحسار الطباعة الورقية، ما زال للصحافة القديمة بريقها الخاص ونوستالجيا تمسك بتلافيف الروح. فالأجيال السابقة صاغت أفكارها وهُذِّبت ذائقتها عبر صحف حملت «المادة الدسمة» التي عمّقت التنوير وأسهمت في بناء وعي إعلامي ناضج.
وفي الأحساء، بدا المشهد وكأنه امتداد طبيعي لتلك السلسلة الطويلة من الجهود التي صاغت ملامح  الصحافة السعودية  عبر عقود. فاستضافة هيئة الصحفيين السعوديين، بصفتها رئيس المكتب التنفيذي لاتحاد صحافيي غرب آسيا، لا تُقرأ بمعزل عن هذا الامتداد، بل تأتي بوصفها محطة تُذكّر بأن الإرث الذي بدأ على الورق ما زال قادرًا على فتح مسارات جديدة للحوار والتطوير.
وما لفت الانتباه في ذلك اللقاء لم يكن جدول أعماله فحسب، بل الروح التي أحاطت به: روح تبحث عن مستقبل أكثر نضجًا للمهنة، وتعيد الاعتبار لدور الصحافة بوصفها مسؤولية تجاه الوعي العام. وحتى الإشادة التي قدّمها أنثوني بلنجر، أمين عام الاتحاد الدولي للصحافة، بدور الهيئة وتمكينها للمرأة السعودية، جاءت كاعتراف بأن المشهد الإعلامي في المملكة يتحرك بثقة نحو أفق أوسع، يستلهم الماضي دون أن يتوقف عنده.
هذه ليست دعوة لقراءة الكتب القديمة من باب الحنين، بل لإعادة اكتشاف الإرثٍ المهني والثقافي الذي أسهم في تشكيل الوعي الصحفي في المملكة والعالم العربي. فالصحافة السعودية لم تُبنَ بجهد فرد واحد، بل شارك في صياغتها رواد ومؤسسات وتجارب متراكمة، ترك كل منها أثره في مسار المهنة، لذلك لا تعتبر قراءة هذا التاريخ ترفًا، بل ضرورة لفهم حاضرٍ يتشكل، ولإدراك أن ما نراه اليوم من إعلام سعودي متطور يستند إلى جذور عميقة صنعتها عقود من التجربة والتطور.
ويظل الماضي — لا لأنه قديم، بل لأنه صادق — شاهدًا على لحظة تأسيسية أسهمت في بناء المشهد الإعلامي الذي نعرفه اليوم. وفي هذا الامتزاج بين جذورٍ راسخة وتحولاتٍ تتشكل على مهل، يبقى السؤال حاضرًا: كيف نمضي إلى المستقبل من دون أن نصغي جيدًا إلى ما يقوله لنا التاريخ؟