النهار

١٢ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٢ أغسطس-٢٠٢٦       6545

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

ثمة أوطان تُقرأ في كتب السياسة، وأوطان تُقرأ في خرائط الجغرافيا ؛ أما اليمن فيمكن أن يُقرأ أحيانًا من نغمة عود.

بل ربما كان العود مدخلًا مناسبًا لفهم اليمن؛ بلدٌ عرف الغناء كما عرف التجارة، وحمل الإنسان فيه صوته من الجبل إلى الساحل، ومن الوادي إلى الميناء.

فلنضع السياسة قليلًا داخل قصعة العود.

هناك جغرافيا، واقتصاد، وسياسة، وأمن، وعلاقات دولية.

ليست المشكلة أن لكل وتر صوته؛ المشكلة أن يعزف كل وتر في مقام مختلف.

فالقوة ليست في كثرة الأوتار، بل في القدرة على جمعها في لحن واحد.

وهنا تبدأ المسألة اليمنية.

اليمن لا تنقصه الجغرافيا، ولا الموارد، ولا الموانئ، ولا الإنسان، ولا الموقع الذي يطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

لكن الموقع وحده لا يصنع دولة.

والثروة وحدها لا تصنع قرارًا.

والسلاح وحده لا يصنع أمنًا.

الذي يصنع القوة هو اجتماع هذه العناصر تحت قرار واحد.

وهنا تأتي النحلة.

لا تملك النحلة الأزهار التي تزورها، ولا تستأثر بالرحيق الذي تجمعه؛ لكنها تعرف كيف تجمعه من جهات كثيرة، ثم تعيده إلى خلية واحدة.

تعدد الرحيق يصنع العسل.

وهكذا يمكن لليمن أن يجعل من تعدد علاقاته وشراكاته وأسواقه ومصالحه قوةً حقيقية.

لكن الخلية يجب أن تكون واحدة.

التعدد الذي تديره الدولة قوة؛ أما التعدد الذي يدير الدولة فشيء آخر.

فحين تتعدد البنادق، وتتعدد معها أصابع الزناد، لا يعود التعدد تنوعًا في أدوات القوة؛ يتحول إلى تعدد في الإرادة.

وهنا يبدأ النشاز.

وهنا تجد القوى الخارجية طريقها إلى الداخل، لا لأنها صنعت كل الانقسام، وإنما لأن الانقسام فتح لها الأبواب.

وفي قلب هذه الجغرافيا يقف باب المندب.

وهنا يجب أن نكون دقيقين.

باب المندب ليس ملكًا لليمن، كما أن هرمز ليس ملكًا لإيران أو عُمان وحدهما.

المضائق الدولية لا تُختزل في سيادة دولة واحدة؛ لكنها تمنح الدول المحيطة بها قيمة جيوسياسية واقتصادية استثنائية.

ولهذا فالسؤال ليس:

من يملك باب المندب؟

بل:

من يملك القدرة على تحويل موقعه عند  باب المندب  إلى قيمة؟

هذه هي المعادلة.

فالموقع لا يُملّك؛ يُستثمر.

والتجارة لا تُستعرض؛ تُبنى حولها بنية اقتصادية.

والنفوذ لا يُطلب بالسلاح؛ يُصنع بالاستقرار.

والقوة العسكرية لا تكون غاية؛ تكون حارسًا للقرار.

ومن هنا يصبح  باب المندب  اختبارًا للدولة اليمنية، لا للمضيق.

فإذا استطاعت الدولة أن تجعل موقعها الجغرافي رافعةً للتجارة، وأن تجعل التجارة رافعةً للاقتصاد، والاقتصاد رافعةً للاستقرار، والاستقرار رافعةً للنفوذ؛ فإن الجغرافيا التي بدت لعنةً في زمن الصراع يمكن أن تصبح أعظم فرصة في زمن الدولة.

وهذا هو الفرق بين وطنٍ يقع على الخريطة، ووطنٍ يصنع قيمة موقعه على الخريطة.

ولا يعني ذلك أن تغلق اليمن أبوابها أمام العالم، أو أن تختار محورًا ضد محور.

بل العكس.

اليمن القوي هو الذي يفتح أبوابه للجميع، لكنه لا يفتح قراره لأحد.

فالتحالفات مهمة، لكنها ليست بديلًا عن الدولة.

والشراكات مهمة، لكنها ليست بديلًا عن القرار الوطني.

والسلاح مهم، لكنه لا يصنع اقتصادًا.

والجغرافيا عظيمة، لكنها لا تصنع مستقبلًا من تلقاء نفسها.

الدولة هي الموسيقار الذي يحول كل ذلك إلى لحن.

ويبقى الإنسان اليمني هو الوتر الأهم.

فما قيمة الجغرافيا إذا لم يحمها إنسانها؟

وما قيمة الموانئ إذا لم يجد فيها اقتصادًا يعمل؟

وما قيمة السياسة إذا لم تحفظ كرامته؟

وما قيمة الأمن إذا لم يشعر معه أن مستقبله ملك يده؟

الدولة لا تضبط إيقاعها من أجل الخريطة وحدها؛

إنما تضبطه من أجل الإنسان الذي يسكنها.

ولهذا فإن ضالّة اليمن ليست باب المندب، ولا نقص الأصدقاء، ولا ندرة الموارد.

ضالّتها في اليد التي تمسك الريشة.

يد تعرف متى تعزف الجغرافيا، ومتى تحرك الاقتصاد، ومتى تستخدم القوة، ومتى تصمت البندقية، ومتى تتحدث السياسة.

عندها يصبح تعدد الأوتار ثروة.

وتعدد الأزهار رحيقًا.

وتعدد العلاقات قوة.

ويبقى الزناد في مكانه الصحيح:

في يد الدولة.

يا يمن…

لا تحتاج إلى أن تملك باب المندب.

تحتاج فقط إلى أن تملك مقامك عند باب المندب.

ولا تحتاج إلى أن تمنع العالم من المرور.

تحتاج إلى أن تعرف ماذا ستأخذ من مرور العالم.

ولا تحتاج إلى إلغاء تعددك.

تحتاج إلى أن تجمعه.

فالنحلة لا تملك الأزهار، لكنها تملك الخلية.

واليمن لا يحتاج إلى امتلاك العالم؛

يحتاج إلى امتلاك قراره.

وحين يستعيد اليمن مقامه  ، لن يكون  باب المندب  أعظم ما يملكه ؛ سيكون واحدًا من أشياء كثيرة يستطيع أن يصنعها من موقعه.

وحين تلتقي الجغرافيا والاقتصاد والسياسة والأمن على مسطح قرار واحد، لن يكون  باب المندب  بوابةً تدخل منها صراعات الآخرين.

سيكون وترًا عظيمًا في أغنية يمنية يسمعها العالم.

يا يمن…

أوتارك كثيرة، فلا تجعلها نشازًا.

وأزهارك كثيرة، فلا تترك رحيقها لغيرك.

وأبوابك كثيرة، فلا تجعل قرارك مفتاحًا في يد سواك.

اجمع رحيقك في خلية واحدة،
ووازن أوتارك بيدك،
واجعل قرارك هو الريشة التي تعزف.

عندها لن يكون  باب المندب  بابًا لصراعات الآخرين؛

سيكون أول نغمة في أغنية يمنية جديدة…

أغنيةٍ لا يعزفها العالم عن اليمن،

بل يعزفها اليمن بنفسه.

فالأوطان لا تحتاج إلى مزيد من الأوتار؛ تحتاج إلى من يعرف مقامها.