النهار

٢٤ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ يناير-٢٠٢٦       5940

بقلم - نوره محمد بابعير 

أصل التجربة في اقتناء وعيها و يبدأ من تلك اللحظة التي يعلن فيها الإنسان رغبته في اليقين، حين تتقاطع الفكرة مع الحاجة، وتتشكل الرغبة بوصفها وعدًا داخليًا بأن الحياة يمكن أن تُعاد صياغتها عبر الاختيار. البداية تستجمع الأفكار ثم تخلق الفرصة الملائمة مع إمكانيات القدرات، فتتكوّن ملامح التجربة الأولى، لكنها تظل ملامح غير مكتملة، لأن الوعي لا يتشكل من اللحظة بل من الامتداد، ولا يشتدّ من القرار بل من استمرارية المواجهة.

تلك اللحظات الأولى ليست سوى بوابة الدخول إلى الذات، حيث تبدأ التجربة في الغوص داخل أعماق الشخص، فتسائله، وتضعه أمام ثمن اختياره. فكل تجربة تحمل معها كلفة معرفية ووجدانية، وكل اختيار يفرض على الإنسان أن يعيد تعريف نفسه أمام ذاته والعالم. ومن هنا يصبح استمرار التجربة هو الشرط الأساسي لتبلور وعيها، لأن الوعي لا يُمنح دفعة واحدة، بل يُكتسب عبر الاحتكاك والتكرار والتأمل في النتائج.

كل نهاية لتجربة هي نمو لوعي ناضج تمكن من إتقانها، لأن النهاية ليست انطفاءً بل اكتمال دائرة الفهم. عند نهاية التجربة، يدرك الإنسان أنه لم يكتسب حدثًا عابرًا، بل اكتسب طبقة جديدة من الإدراك، وصار أكثر قدرة على قراءة ذاته وفهم مساراته القادمة.

يفهم الإنسان أن التجربة هي المحرّك الحقيقي للوعي عندما يدرك أن العقل، مهما تقدم في المعرفة أو العمر، يظل بحاجة إلى ما يحرّك وعيه ويوقظه من رتابة اليقين الساكن. فالعقل لا ينضج في الثبات، بل في الحركة، ولا يعي قيمة وجوده إلا عندما يضع نفسه أمام اختبار الاختيار، ويواجه نتائج هذا الاختيار بصدق. التجربة هنا تصبح مرآة الوجود، من خلالها يرى الإنسان ملامح ذاته، ويقيس عمق حضوره في الحياة.

القيمة في التجربة تكمن في أنها تخرج ثمار العقل كلما أدرك الإنسان قوة وعيه في الحياة. فكل تجربة تمنح العقل فرصة للتمدد، وتحرّره من ضيق التصورات المسبقة، وتجعله أكثر قدرة على إنتاج معنى للحياة. عندما يعي الإنسان قوة وعيه، يصبح للتجربة معنى يتجاوز الحدث إلى الحكمة، ويتجاوز الألم إلى الفهم، ويتجاوز النجاح إلى المسؤولية.

قد تكون التجربة قرارًا، لكنها لا تأتي إلا وقد أخذت كل قواك نحوها، تسحبك إلى يقين جديد، وتدفعك إلى حالة من الالتزام الداخلي معها. إنها ليست مجرد فعل إرادي، بل حالة وجودية تتلبّس الإنسان، وتعيد تشكيل علاقته بنفسه وبالعالم. في كل تجربة، يضع الإنسان جزءًا من ذاته على المحك، ويخرج منها إما أكثر هشاشة أو أكثر صلابة، لكنه في كل الأحوال يخرج أكثر وعيًا.

التجربة ليست مسارًا عابرًا في حياة الإنسان، بل جوهرًا لتكوين وعيه، ومحركًا دائمًا لإعادة اكتشاف ذاته، وإعادة تعريف معنى أن يكون حاضرًا في اختياراته، ومسؤولًا عن يقينه الذي يصنعه بنفسه .