النهار

٢٤ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ يناير-٢٠٢٦       7755

بقلم ـ عبد الله الكناني

تشهد الساحة الدولية تسارعًا لافتًا في التحديات وتشابكًا متزايدًا في التهديدات، الأمر الذي جعل *الأمن* يتجاوز كونه مفهومًا جامدًا أو شأنًا محصورًا داخل حدود الدولة، ليتحوّل إلى منظومة متكاملة *تبدأ من الداخل الوطني، وتمتد إلى الإطار الإقليمي، وتتفاعل مع النظام الدولي*. 

ويبرز هذا التكامل بوصفه النموذج القادر على حماية الدول بعد مشيئة الله ، وتعزيز الاستقرار، وفتح آفاق التنمية والازدهار المستدام، في مواجهة مخاطر باتت عابرة للحدود ومتداخلة في أدواتها وأهدافها.

 

يُعد *الأمن الوطني* الأساس الأول لأي دولة مستقرة، إذ يرتكز على حماية السيادة، وصون المكتسبات، وتعزيز الانتماء الوطني، وبناء وعي مجتمعي متماسك يرفض الفوضى والتطرف، ويؤمن بالاعتدال وسيادة القانون. 

غير أن التجربة الدولية أثبتت أن الدولة، مهما بلغت قوتها العسكرية أو الاقتصادية، لا تستطيع بمفردها مواجهة التهديدات المعاصرة، مثل الإرهاب، والجريمة المنظمة، والهجمات السيبرانية، والتدخلات الخارجية التي تستهدف إضعاف الداخل وزعزعة الثقة بين الدولة ومجتمعها،ومن هذا الواقع ينتقل  الأمن  بطبيعته من إطاره الوطني إلى *الإطار الإقليمي*، حيث يصبح التعاون بين الدول المتجاورة ضرورة استراتيجية لا خيارًا سياسيًا.

فالتقارب الجغرافي وتشابك المصالح الاقتصادية والإنسانية يفرضان تنسيقًا أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا يحصّن المنطقة بأكملها، ويمنع تحوّل الخلافات الطبيعية بين الدول إلى صراعات مفتوحة تستنزف مقدرات الشعوب، وتفتح المجال أمام الجماعات المتطرفة والميليشيات العابرة للحدود للتغلغل والتمدد.

*غير أن هذا المسار التكاملي قد يتعرض للاختلال* عندما تتبنى بعض القوى الإقليمية نظرة ضيقة للأمن، تقوم على تعظيم مصالحها الآنية على حساب  الأمن  الإقليمي ودول الجوار، فالدولة الإقليمية التي تنظر إلى محيطها من زاوية تصدير الأزمات، أو توظيف الجماعات المسلحة وأدوات الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية، لا تهدد استقرار جيرانها فحسب، بل تزرع بذور عدم الاستقرار داخل الإقليم بأسره، بما في ذلك داخلها على المدى المتوسط والبعيد. 

إذ إن إضعاف الدول المجاورة أوالقريبة، أو التدخل في شؤونها الداخلية، أو تأجيج النزاعات الطائفية والسياسية، يؤدي إلى تفكك منظومة  الأمن  الإقليمي، ويحوّل المنطقة إلى ساحة صراعات مفتوحة تستدعي التدخلات الدولية، وتفقد فيها الدول سيادتها وقرارها المستقل.

 

أما *الأمن الدولي*، فيشكّل المظلّة الأوسع التي تضبط العلاقات بين الدول، وتحدّ من منطق القوة المنفردة، عبر منظومات  الأمن  الجماعي، والاتفاقيات الدولية، وأدوار المنظمات الأممية. 

وقد تطوّر هذا المفهوم ليتجاوز البعد العسكري التقليدي، ويشمل الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والبيئية، إدراكًا بأن الفقر، والبطالة، والتغير المناخي، والنزاعات الداخلية، تشكّل تهديدات حقيقية للأمن والسلم الدوليين لا تقل خطورة عن الحروب.

إن التكامل بين  الأمن  الوطني والإقليمي والدولي لا يعني المساس بالسيادة الوطنية، بل يعزّزها ويحصّنها،فالدولة التي تمتلك أمنًا داخليًا متينًا تكون أقدر على الانخراط في منظومات إقليمية فاعلة، والدول المتماسكة إقليميًا تكون أكثر تأثيرًا وحضورًا في النظام الدولي،ويؤدي هذا التكامل إلى نتائج جوهرية، من أبرزها *إغلاق الأبواب أمام الجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة التي تتغذى على الفراغات الأمنية، وقطع طرق التمويل والتدخل الخارجي*، وتحقيق قدر أعلى من التماسك الاجتماعي، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار والتنمية، حيث *لا ازدهار اقتصادي دون أمن، ولا أمن مستدام دون تنمية شاملة*.

لقد أثبتت التجارب الناجحة، إقليميًا ودوليًا، أن التعاون الأمني المتوازن عندما يقترن برؤية تنموية شاملة، ينعكس مباشرة على رفاه الشعوب واستقرار الدول ،فحين تتحول الحدود من نقاط توتر إلى جسور شراكة، وتُدار المصالح بعقلية تكاملية لا صراعية، تصبح الموارد أدوات بناء لا أسباب نزاع، ويتراجع منسوب العنف والفوضى لصالح التنمية والاستقرار.

إن *الوصف النموذجي للأمن في العصر الحديث* يقوم على سلسلة مترابطة: *أمن وطني متماسك، وأمن إقليمي قائم على التعاون ، وأمن دولي منضبط بالقانون والشرعية*. وعندما تعمل هذه المستويات بتناغم، تُغلق أبواب الفوضى، وتتراجع فرص التدخل الخارجي، ويُصان الاستقرار، وتُفتح آفاق التنمية والازدهار، ليس لدولة بعينها، بل للنظام الدولي بأسره. 

لذلك *الأمن في جوهره، لم يعد غاية بذاته، بل وسيلة لبناء مستقبل أكثر استقرارًا وإنسانية وعدلا* .