النهار
بقلم - المستشار منى يوسف الغامدي
ليس كل من يغادر منصبه يرحل عن القلوب، فثمة قادة إذا غابوا جسداً بقوا أثراً، وإذا طويت صفحات مسؤولياتهم بقيت بصماتهم حية في الذاكرة والوجدان.
هكذا كان الدكتور خالد الوسيدي – رحمه الله- أحد رجالات التعليم الذين لم تكن مناصبهم عنوانهم، بل كانت قيمهم، وإنسانيتهم، وصدق عطائهم، وتواضعهم وكريم أخلاقهم.
عرفته المدينة المنورة قائداً تربوياً من طراز رفيع، ومساعداً لمدير التعليم للشؤون التعليمية؛ جسّد معنى القيادة المسؤولة، قيادة تنحاز للعمل ؛ وتؤمن بالفريق، وتقدر الإنسان قبل الإجراء.
كان حضوره هادئاً، وقراره متزناً، وأثره عميقاً لا يحتاج إلى ضجيج. عمل بإخلاص، وترك خلفه مسيرةً حافلةً بالمنجزات، شاهدةً على عقل قيادي، وروحٍ مخلصة وضميرٍ مهني لا يساوم.
تشرفت بالعمل معه والاستفادة من خبرته حين كان رئيساً لفريق العمل في مشروع المدارس السعودية الرائدة في تعليم المدينة والتي تميزت على مستوى الوزارة من بين كل المناطق المطبقة للمشروع بقيادته وبمتابعة حثيثة من سعادة مدير التعليم آنذاك سعادة الدكتور بهجت جنيد رحمه الله ، تتلمذت على يد كل من هذين الرجلين وعرفت عن قرب معايير القيادة الرشيدة الحكيمة المتزنة المحبة التي تترجم نظريات الإدارة إلى واقع نعيشه بكل انتماءٍ وإخلاص ٍواتقانٍ وجودة ؛معهما عرفت معايير التميز الحقيقي في الأداء وتطبيق معايير الجودة الشاملة وتحقيق المستهدفات ، مع الرائدة تعلمت فنون التخطيط الاستراتيجي والتشغيلي للمدارس وزودني الدكتور خالد – رحمه الله- بنماذج من خطط المدارس الرائدة في المدينة في عملية تبادل خبرات فريدة من نوعها ليتم تزويد مدارس البنات في ينبع بتلك الخطط ومحاكاتها والتعلم منها وللتاريخ أسجل كانت أول خطة استراتيجية وتشغيلية وُضعت في الثانوية الثانية بينبع الصناعية الرائدة بإشرافي ومتابعة الدكتور خالد والدكتور بهجت كأول مرة في تعليم البنات بينبع وهذه المدرسة حصلت بعدها على المدرسة المتميزة في جائزة حمدان للأداء التعليمي المتميز ومازلت احتفظ بمسودات تلك الخطة وتعديلات بخط الدكتور خالد والدكتور بهجت و كنت أرجع لوالدي -رحمه الله -وأحكي له كيف يكون الوفاء الحقيقي بين أهل التعليم ، فهؤلاء أصدقاؤك وزملاؤك وطلابك يا والدي يردون الجميل ويساندون ابنتك لتكمل مسيرتك في خدمة التعليم في وطنها فيفرح فرحاً عظيماً ويردد ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) هكذا علمنا الله في محكم آياته.
رأيت في شخص الدكتور خالد – رحمه الله- عن قرب كيف يكون القائد داعماً لا متسلطاً، محفزاً لا متعالياً، مؤمناً بقدرات الآخرين حريصاً على نجاح الفريق كله لا على بروز اسمه. كان يتعامل مع العمل بروح الشراكة، ومع زملائه بروح الأخوة، ومع التحديات بعقلٍ منفتح وهمة عالية.
ولأن القيم الحقيقية تظهر خارج إطار المنصب، فقد تجلت إنسانية الدكتور خالد الوسيدي في مواقف لا تُنسى.
حين بادر بنفسه للتواصل معي لترتيب حفل تكريم لوالدي – رحمه الله- بعد مسيرة أربعين عاما في تعليم المدينة المنورة كان جُلّها في العمل القيادي للمدارس، لم يكن ذلك واجباً وظيفياً، بل وفاءً إنسانياً أصيلاً.
واستمر تواصله الكريم، اتصالاً بعد اتصال، ورسائل تهنئة بقدوم شهر رمضان المبارك والعيدين لأقوم بإيصالها لوالدي وكان حريصا على سماع صوته في المناسبات عن طريق رقم جوالي ووالدي في معيتي ، وكان دوماً من أدبه ورفيع خلقه يخاطبني باسم -أم مهند- ويعتبرني بمثابة الأخت وهو كذلك بالنسبة لي الأخ والأستاذ والقائد المحترم رحمه الله.
تلك والله صورة نادرة لقائدٍ لم يفصل يوماً بين مسؤوليته المهنية وواجبه الإنساني.
عندما عزمت على جمع سيرة الدكتور بهجت جنيد- رحمه الله -حرصت على التواصل معه عن طريق زوجته وقد علمت بمرضه ولكنني لم أرد أن أتخطاه ؛وهو من عمل مع هذا القائد الاستثنائي في حياتنا جميعاً نحن أهل المدينة ومن أكرمهم الله بصحبته ولكن يكفيني أنني تعرفت على أهل بيته في هذه الأوقات الصعبة من حياة البشر حتى أقوم بواجب العزاء وتقديم خالص الدعوات باسمي وباسم كل من عمل مع الدكتور خالد الوسيدي ويشهد له بأنه وإن رحل جسداً فسيبقى أثره ؛ ورحم الله والدي والدكتور بهجت وكل من سبقونا لدار الخلود ؛ هناك يجتمعون ليس فقط في ميدان التعليم، بل سيجمعهم صدق العطاء ونقاء السريرة ، وأثر الخير الذي لا ينقطع بغياب صاحبه.
رجال عملوا بصمت، وأخلصوا دون انتظار مقابل، فاستحقوا أن تُخلد سيرتهم في القلوب قبل السطور.
رحم الله الدكتور خالد عبد العزيز الوسيدي، الرجل القدير، وصاحب الأيادي البيضاء، والهمة العالية، والوفاء النادر.
وجزاه عن التعليم وأهله خير الجزاء، وجعل ما قدم في ميزان حسناته، وجمعه ووالدي وكل من يحبون في مستقر رحمته، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
فأهل العلم والتعليم لا يموتون بل يمتد عمرهم بدون انقطاع في علم ورثوه وعمل صالح قدموه.
سلام على روح الدكتور خالد وسلام على أثره... فالقادة الحقيقيون قد يغادرون مناصبهم، لكنهم لا يغادرون الذاكرة أبدا.