النهار
بقلم -د. غالب محمد طه
بعض الأرقام لا تُقرأ كما تُقرأ بقية الأخبار، بل تحتاج أن نقف أمامها قليلًا، وأن نترك لها فرصة لتكشف ما وراءها. وحين نسمع أن الحرمين الشريفين استقبلا في شهر رجب وحده ما يقارب 78.8 مليون قاصد، فإن الرقم لا يبدو كإحصاء يُعلن ثم يُطوى، بل يتحول إلى مشهد واسع تتحرك فيه الحياة بكل تنوعها، مشهد يجعلنا نتساءل كيف يمكن لمكان واحد أن يحتمل هذا التدفق الهائل من البشر، ثم يظل محتفظًا بطمأنينته، وكأن السكينة فيه جزء من نَفَسه الطبيعي لا تهتز مهما ارتفع العدد.
فالرقم، مهما بدا ضخمًا، لا يظهر هنا ككتلة واحدة، بل كوجوه جاءت من جهات الأرض كلها، تحمل معها اختلاف الأعمار واللغات والثقافات، لكنها تذوب في لحظة الدخول إلى المكان، لتصبح جزءًا من إيقاع واحد لا يعلو فيه صوت على صوت الطمأنينة. وكل من يدخل هذا الفضاء يشعر بأن الطريق يُفتح له كما لو كان يعرفه منذ زمن، وأنه يتحرك وسط هذا النهر البشري دون أن يفقد إحساسه بذاته، ودون أن يشعر بأن الكثرة تضغط عليه أو تبتلعه، وكأن المكان يعيد ترتيب نفسه مع كل خطوة، يخفّف هنا، ويوسّع هناك، ويترك لكل روح مساحة تكفيها لتجد ما جاءت من أجله.
وما يثير التأمل أن هذا الحشد الهائل لا يصنع شعورًا بالازدحام بالمعنى النفسي، بل يتحول إلى حركة هادئة تشبه التنفس؛ حركة لا تعتمد على الصدفة، بل على إدارة تفهم أن النجاح الحقيقي ليس في استيعاب العدد فقط، بل في جعل كل فرد يشعر بأن وجوده محسوب، وأن رحلته التعبدية محمية من الفوضى. المكان هنا لا يتعامل مع البشر كأرقام، بل كأرواح تبحث عن لحظة صفاء، ولذلك ينساب الجميع كما لو أن المسارات تُعاد صياغتها مع كل موجة، وكأن المكان يتنفس بالحركة ويعيد ضبط إيقاعه باستمرار.
وفي خلفية هذا المشهد، تعمل التقنية والذكاء الاصطناعي كعين يقظة تراقب التدفق دون أن يشعر بها أحد، تقرأ حركة البشر كما لو كانت تقرأ نصًا حيًا يتغير كل لحظة، فتتخذ القرارات الصغيرة التي تمنع الاختناق قبل أن يتشكل، وتعيد توجيه المسارات دون أن يلحظ الزائر شيئًا. ولعل ما يجعل هذه التجربة ممكنة بهذا القدر من الانسياب هو تلك العناية التي تبذلها المملكة عبر منظومتها الإدارية والتنظيمية، وفي مقدمتها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، التي لا تتعامل مع الحشود بوصفها أرقامًا، بل بوصفها ضيوفًا يستحقون أن تُهيّأ لهم كل أسباب السكينة؛ فهنا لا تُدار الكثرة بوصفها تحديًا، بل بوصفها مسؤولية تُصان فيها كرامة الفرد قبل أي شيء آخر.
ومع كل هذا، يبقى السؤال حاضرًا: كيف يحتمل المكان هذا التنوع الهائل دون أن يختل؟ والإجابة ليست في التوسعة وحدها، ولا في الأنظمة، بل في فلسفة إدارة ترى أن العناية أعمق من السيطرة، وأن السكينة لا تُفرض بالقوة، بل تُستدعى حين تجد شروطها. فالسكينة لا تُصنع كما تُصنع الأشياء، لكنها تأتي حين تجد مكانًا يعرف كيف يهيئ لها الطريق، وإنسانًا يدخل بروحه قبل جسده، فيستجيب داخله شيء قديم، شيء لا يُلقّن ولا يُصطنع، بل يُوقظ حين يجد ما يطمئنه.
وهكذا يتحول الرقم من مجرد كمية إلى تجربة حيّة، تتحرك فيها الكثافة البشرية بانسجام نادر، وتصبح العبادة الجماعية سلسلة من اللحظات الفردية المتزامنة، حيث يعيش كل شخص أثره الروحي الخاص دون أن يشعر بثقل الملايين من حوله. وفي النهاية، لا يعود الرقم 78 مليونًا مجرد معلومة تُسجّل، بل يصبح سؤالًا عن قدرة الإنسان على تنظيم المقدس دون أن يخدش هدوءه، سؤالًا يتجدد كل موسم، وكل شهر، وكل مرة يمر فيها هذا العدد الهائل بهدوء، ويترك أثرًا عميقًا في قلب كل قاصد، ليؤكد أن الكثرة قد تحمل معها سكينة، وأن الأرقام الكبيرة — حين تُدار بحكمة — يمكن أن تتحول إلى صمت روحي لا يُنسى.