النهار

٢١ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢١ يناير-٢٠٢٦       10945

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

لا يواجه  النظام الدولي  اليوم أزمة نقص في القوانين، بقدر ما يواجه تحديًا في اتساق تطبيقها. 
فالنصوص موجودة، والمواثيق قائمة، والمؤسسات الدولية تمارس أدوارها ؛ غير أن الإشكال يبدأ حين يُدار القانون بوصفه أداة انتقائية، لا مرجعية جامعة تُطبَّق على الجميع بمعيار واحد.

إن نواة الخلل ؛ ليست في وجود قوة تحافظ على التوازن، بل في افتراض ضمني بأن القائم على الحماية يقف خارج دائرة الخضوع القانونية نفسها.

هذا الافتراض يُنتج فجوة ثقة متراكمة ويضعف الأساس الذي يقوم عليه النظام القانوني الدولي.

وقد أفرز هذا النمط ما يمكن وصفه بـالتسوّل المنظّم: ممارسة مؤسسية تُدار فيها المخاوف، وتُضخَّم التهديدات، ويُعاد تدوير القلق، ليُقدَّم الاستقرار كخدمة مشروطة، لا كحق نابع من القانون.

في هذا الإطار ؛ لا تُحل الأزمات بالكامل، ولا تُترك لتنفجر، بل تُدار في منطقة وسطى تُبقي الحاجة قائمة، والطلب مستمرًا، والكلفة مفتوحة، ليصبح الأمن فاتورة دائمة تُسدّد باسم الشراكة أو الحماية أو الحفاظ على النظام.

تأسس القانون الدولي على مبدأ المساواة القانونية بين الدول، لا على تساوي القوة.

وكما عبّر مونتسكيو ؛ فإن «القانون هو العقل البشري حين يحكم جميع الشعوب».

وحين يُدار بمنطق الاستثناء أو الحاجة المصطنعة ؛ يفقد القانون صفته الجامعة، حتى وإن احتفظ بإطاره المؤسسي.

في الواقع ؛ تلتزم دول بالقانون التزامًا دقيقًا حفاظًا على شرعية طويلة الأمد، بينما تُدار ملفات أخرى بمنطق «الاستثناء الوظيفي»؛ استثناء يبدأ محدودًا ويتسع تدريجيًا ليصبح نمط إدارة مستدام.

هنا تكمن نقطة الخطأ المركزية: فالاستثناء يتحول إلى قاعدة غير مكتوبة، ويحوّل القانون من مرجعية ضابطة إلى غطاء إجرائي. 
ويشير هانس كلسن إلى أن متانة أي نظام قانوني تُقاس بدرجة خضوع من يملكون سلطة التفسير له ، وعندما ينفصل المفسّر عن القاعدة ؛ يصبح القانون قابلاً للتكييف بدل الالتزام.

مركزية المعالجة تكمن في إعادة إدخال الجميع داخل دائرة قانون واحدة: دائرة تخضع الوظائف للمساءلة المؤسسية، وتفصل بوضوح بين الدور والحصانة، وتمنع تحوّل الحاجة إلى اعتماد دائم. 
القانون لا يحمي النظام لأنه قوي، بل لأنه متوقَّع.. وكلما ضاق هامش الاستثناء، وتراجعت ممارسات “التسوّل المنظّم” ؛ ارتفعت القدرة على التنبؤ، ومعها الثقة، وهي العملة الأندر في العلاقات الدولية.

كما قال نيلسون مانديلا: القانون لا يكون عادلًا إلا حين يُطبَّق على الجميع.. هذه قاعدة تشغيلية لأي نظام يسعى إلى الاستقرار طويل الأمد.

إن دائرة القانون المضيئة تجعل القوة خاضعة للمساءلة، وتربط الاستقرار بالعدالة بوصفها شرطًا سابقًا لا نتيجة لاحقة..هذا طرح إصلاحي هادئ، لا يدعو إلى صدام، بل إلى تصحيح المسار وردم الفجوة بين النص والتطبيق. 

فالقوانين لا تفشل لأنها ناقصة، بل لأنها تُدار خارج دوائرها، وحين يعود الجميع إلى الدائرة نفسها—دائرة القانون—لا تختفي الخلافات ؛ لكنها تُدار دون أن تُقوِّض النظام.

وذلك هو الحد الأدنى الذي يحتاجه العالم: قانون لا يُتاجر بالخوف، ولا يعد بالكمال ؛ لكنه يمنع الانزلاق.