النهار

١٩ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٩ يناير-٢٠٢٦       9020

بقلم - د. غالب محمد طه
من ينظر إلى ما يجري اليوم في عالم التقنية، ويرى هذا الاندفاع الذي يكاد يبتلع كل شيء، يشعر بأننا نقف أمام زمن يتغيّر بسرعة لا تمنح الإنسان فرصة لالتقاط أنفاسه، زمن تتقدّم فيه الآلة بخطى واسعة حتى تكاد تلامس ما كان يُعدّ من صميم الإنسان نفسه، ومن ذلك مهنة الطب التي ظلّت عبر القرون مهنة لها روحها وحرارتها وملامحها الإنسانية الواضحة.

ومع ذلك نسمع اليوم من يقول إن الطبيب قد لا يكون له مكان في المستقبل، وإن الخوارزميات ستتولى المهمة، وكأن الجسد صفحة بيانات، وكأن الألم رقم، وكأن الخوف معادلة يمكن حلّها بضغط زر.

وفي هذا السياق جاءت تصريحات  إيلون ماسك  حول "نهاية دراسة الطب"، ولم تكن تلك الكلمات مما يُقال على عجل ثم يضيع في زحمة التصريحات، فقد جاءت امتدادًا لرؤية أوسع يريد صاحبها أن يعيد من خلالها تشكيل علاقة الإنسان بالطب كما لو أن الأمر لا يتجاوز تعديلًا في برنامج أو تحديثًا في نظام.
في هذا التصور الجديد، يصبح الطب عملية ميكانيكية: أعراض تدخل، خوارزمية تعمل، نتيجة تخرج، وكأن الجسد لا يحمل ذاكرة ولا يحمل تاريخًا ولا يحمل تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بأن العالم من حوله قد تغيّر، وأن يقينه قد تصدّع، وأنه لم يعد كما كان.

والمرض، لمن عرفه أو عرف من عرفه، ليس خللًا في آلة، بل هو لحظة يختبر فيها الإنسان هشاشته، ويشعر فيها بأن جسده الذي كان مطيعًا قد صار غريبًا عنه، وأن الغد الذي كان واضحًا صار ضبابيًا، وأن الطريق التي كان يسير فيها بثبات صارت موحلة ومقلقة.
وفي المستشفيات، تتجلى هذه الحقيقة بلا زينة، ترى ما لا يمكن للآلة أن تراه ولا يمكن للخوارزمية أن تفهمه.

ترى مريضًا يمسك يد طبيبه قبل العملية، لا لأنه يريد شرحًا، بل لأنه يريد إنسانًا يقف معه في تلك اللحظة التي يختلط فيها الخوف بالرجاء.

وترى أمًا تجلس في غرفة الانتظار تبكي بصمت، وطبيبًا يحاول أن يختار كلماته بعناية تكاد توازي عنايته بالمشرط.

وترى مريضًا يبتسم رغم الألم لأن كلمة صادقة أعادت إليه شيئًا من توازنه.

هذه المشاهد لا تُكتب في التقارير ولا تُخزّن في قواعد البيانات، لأنها ليست أرقامًا، بل لحظات إنسانية خالصة.
وحين يدخل المريض إلى العيادة، فهو لا يدخل بملفه الطبي فقط، بل يدخل بقصة كاملة، يدخل بخوفه من الغد، بشكه في جسده، بذاكرته المثقلة بتجارب سابقة، وربما بشعور خفي بالذنب أو العجز.

والآلة لا ترى شيئًا من هذا، لأنها لا ترى إلا البيانات ولا تعالج إلا البيانات، وكأن الإنسان صفحة أرقام لا أكثر.

وهنا يتضح أن الطب ليس معالجة المرض فقط، بل مرافقة المريض في رحلته، والوقوف معه في تلك اللحظات التي لا يجيب عنها العلم وحده.
نعم، تستطيع الآلة أن تقارن آلاف الصور في ثوانٍ، وأن تحسب احتمالات الإصابة بدقة مذهلة، لكنها لا تستطيع أن تفهم ماذا يعني أن يخشى أبٌ أن يرحل تاركًا أبناءه، أو أن يشعر شاب بأن جسده خانه في لحظة كان يظن فيها أنه في أوج قوته.

هذه ليست تفاصيل هامشية، بل جزء من معنى المرض نفسه، وجزء من معنى الشفاء.
والطبيب، على عكس ما يتخيله بعض المتحمسين للتقنية، لا يعمل في مختبر معقم، بل يعمل في مساحة يختلط فيها العلم بالألم، والقرار بالمسؤولية، والمهارة بالضمير.

يواجه الموت أكثر مما ينبغي، ويعود إلى بيته مثقلًا بآلام الآخرين، ثم يعود في اليوم التالي ليحمل أمانة جديدة.

وهذه الخبرة المتراكمة، وهذا الاحتكاك اليومي بالهشاشة البشرية، لا يمكن لأي خوارزمية أن تتعلمه أو تحاكيه.
وفي ثقافتنا الإسلامية، لم يكن الطب يومًا علمًا منفصلًا عن القيم، بل كان فعلًا يقوم على الرحمة قبل المهارة، وعلى النية قبل الإجراء، وعلى استحضار أن الشفاء بيد الله، وأن الطبيب سبب من الأسباب.

وقد كتب الأطباء المسلمون في مقدمات كتبهم أن العلم لا يكتمل إلا بالأخلاق، وأن يد الطبيب لا تُشفى إلا إذا حملت في داخلها قدرًا من الرحمة.

وهذه القيم لا يمكن للآلة أن تفهمها، لأنها ليست معادلات، بل مبادئ تُمارس وتُعاش.
ثم يأتي البعد الأخلاقي، وهو البعد الذي لا يمكن تجاوزه، فالقرار الطبي ليس عملية حسابية، بل مسؤولية، والطبيب يُحاسَب، ويتردد، ويراجع ضميره، ويقف أمام المريض وأسرته ليشرح ويواجه النتائج، بينما الخوارزمية لا تُحاسَب ولا تُسأل ولا تتحمل تبعات قرارها، وإذا أخطأت فمن نلوم؟ الشركة؟ المبرمج؟ النظام؟ إن الطب لا يستقيم بلا مسؤولية إنسانية واضحة.
وفي النهاية، لا أحد ينكر أن الذكاء الاصطناعي سيغير وجه الطب، وربما سيجعله أدق وأسرع في جوانب كثيرة، لكنه لن يكون طبيبًا، لأن الطبيب ليس مزود معرفة، بل شاهد على هشاشتنا، ورفيقًا في لحظات ضعفنا، وصوتًا يمنحنا الطمأنينة حين يختفي اليقين.

فالطب، في جوهره، ليس علم الجسد فحسب، بل علم الإنسان حين ينهار ثم يحاول النهوض، وكل تقنية لا تدرك هذه الحقيقة ستظل ناقصة وباردة، لأنها تنظر إلى الجسد ولا ترى الروح، وتقرأ الأرقام ولا تسمع الوجع، وتحسب الاحتمالات ولا تفهم معنى أن يكون الإنسان مريضًا، فالطب في نهاية الأمر انتصار الإنسان على وحدته في مواجهة الألم.