النهار

١٧ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ يناير-٢٠٢٦       12265

بقلم - لواء م عبدالله ثابت العرابي الحارثي

لم تعد بعض مناسباتنا الاجتماعية فضاءً للألفة ولا ميدانًا للقيم، بل تحوّلت إلى منصات استعراض، تُختطف فيها المجالس من معناها، ويُزاح الوقار لصالح الضجيج، وتُقاس المكانة بعدسة الكاميرا لا بميزان الحكمة.

ما نشهده اليوم ليس تطورًا اجتماعيًا، بل انحرافٌ في المعنى، وتشويهٌ متعمّد لروح المناسبات.

التصدّر لم يعد ثمرة علمٍ أو رجاحة عقل، بل صار مكافأة للشهرة والمال وعدّ المتابعين.

يُقتحم المجلس، ويُختطف الحديث، وتُسحب الهيبة من أهلها، بينما يُمنح الضجيج شرعية لا يستحقها.

الأخطر أن هذا المشهد يُدار أحيانًا بصمتٍ مريب من أصحاب المنزلة، فيتحوّل السكوت إلى تزكية، والتجاهل إلى مشاركة غير معلنة.

نعم، تلبية الدعوة خُلقٌ كريم، لكن الحضور شيء، واختطاف المشهد شيء آخر.

أن تحضر بتواضع غير أن تتصدّر، وأن تشارك بوقار لا أن تستعرض، وأن تحفظ للمجلس قيمته لا أن تحوّله إلى صورة عابرة.

ما يحدث اليوم أن البعض لا يأتي إلا ليُرى، ولا يجلس إلا في الصدارة، وكأن المناسبة وُجدت لأجله لا لأهلها.

وينتهي هذا المسار إلى مشهد أوضح وأكثر خطورة؛ إذ إن بعض من تضخّم حضورهم بالشهرة أو المال لم يتجهوا إلى تصدّر المشهد الاجتماعي في ميادين الخير أو البناء أو الإعمار، بل اختاروا طريق الاستعراض والهياط.

تجاوزوا ذلك إلى صناعة مناسبات استعراضية لا تعبّر عن مودة، ولا تؤسس لألفة، ولا تحمل قيمة اجتماعية حقيقية.

هذه المناسبات لا تُقام لغايات نبيلة، ولا تُلبّى دعواتها بدافع التواصل الصادق، بل تُدار ضمن دائرة مغلقة، يلبّي فيها بعضهم دعوة بعض، من شخصيات عامة أو اجتماعية أو فكرية أو علمية، لا من أجل المعنى، بل لإيصال رسالة ضمنية تقول: انظروا من معنا، ومن يجالسنا، ومن أصبح في دائرتنا.

وبهذا تُختطف المجالس من روحها، وتتحول العلاقات إلى أدوات تلميع، ويُستبدل التواصل الإنساني بعرض اجتماعي فارغ، تُقاس فيه المكانة بالمشهد لا بالموقف، وبالصورة لا بالأثر.

ويزداد الخلل حين تُلبس هذه الممارسات لباس “الرمزية” و”السمو”، ويُدّعى التمثيل باسم القبيلة أو الجماعة دون تفويض أو أثر.

يُنفق بسخاء على مناسبات استعراضية، ثم يغيب أصحابها حين تُطلب المسؤولية المجتمعية المنضبطة، أو تُستدعى المبادرات التي تنفع الناس وتبقى.

هي أفعال شخصية تُقدَّم زورًا باعتبارها عملًا جماعيًا، بينما حقيقتها مظاهر تحزّب وتفاخر، وتشكيل كيانات موازية، تعبث بالمشهد الاجتماعي وتشوّه صورته.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح أن الهيبة لا تُشترى، والسمو لا يُدّعى، والشموخ لا يصنعه الضجيج.

المكانة تُبنى بالفعل، وتُصان بالمبدأ، وتعلو بالأخلاق، لا بالصور ولا بالأسماء المصطفّة في الصدارة.

والمجتمع الذي يسكت عن اختطاف مناسباته، يفرّط في قيمه قبل أن يفرّط في شكله.

إما أن نحفظ لمجالسنا معناها، ولمناسباتنا وقارها، أو نتركها تُختطف واحدًا تلو الآخر، حتى لا يبقى منها سوى ضجيج… بلا قيمة.