النهار

١٦ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٦ يناير-٢٠٢٦       6985

بقلم - حذامي محجوب

"التنمية هي توسيع خيارات الإنسان"،بهذه العبارة المكثفة لخّص الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سن جوهر الفكرة التي كثيرًا ما أسيء فهمها في سياقات الصراع. فالتنمية، في معناها العميق، ليست أرقامًا تُعلَن ولا مشاريع تُدشَّن فقط، بل قدرة المجتمع على استعادة شروط الحياة الطبيعية التي تسمح للإنسان بأن يختار، ويخطط، ويعيش دون خوف دائم. من هذا المنطلق جاء هذا التحليل، على وقع إعلان سعودي مفصلي أعاد وضع التنمية في صدارة المقاربة تجاه اليمن، لا بوصفها ملحقًا للأمن، بل كطريق إليه.

 

الإشارة هنا ليست إلى خطوة تقنية أو إجراء إداري، بل إلى رسالة سياسية واضحة مفادها أن المملكة العربية السعودية اختارت أن تجعل التنمية رهانها المركزي في التعامل مع الملف اليمني. فحين يُضَخّ جهدٌ منظم في القطاعات الحيوية، وحين تُصاغ المشاريع ضمن رؤية متكاملة وتُدار بالشراكة مع المؤسسات اليمنية، يصبح الفعل التنموي تعبيرًا عن خيار استراتيجي طويل المدى، ينتقل بالعلاقة من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء المستقبل.

 

المقاربة السعودية التي تجسدت في البرنامج السعودي لتنمية

وإعمار اليمن، الذي هو امتداد لدعم المملكة

للشعب اليمني بتوجيهات خادم الحرمين

الشريفين و ولي العهد ومتابعة 

وزير الدفاع ، تنطلق من قناعة مفادها أن الاستقرار لا يُفرَض بالقوة وحدها، وأن الأمن الذي لا ينعكس تحسنًا في حياة الناس يبقى هشًّا وقابلًا للانكسار. 

فكما نبّه توماس هوبز، لا معنى للنظام السياسي إذا عجز عن توفير الحد الأدنى من الطمأنينة. وفي الحالة اليمنية، تبدأ هذه الطمأنينة من الكهرباء والمستشفى والمدرسة، قبل أي معادلة سياسية أو أمنية.

 

لهذا، لا تُعامَل التنمية في هذا المسار كملف تقني منفصل، بل كأداة لإعادة بناء الدولة والمجتمع معًا. الاستثمار في الطاقة يعيد تشغيل الاقتصاد المحلي، ودعم القطاع الصحي يستعيد كرامة الإنسان وأمنه الوجودي، أما التعليم فيمثّل الرهان الأبعد أفقًا، لأنه يؤسس لجيل قادر على كسر دوائر العنف والفقر. هنا تتحول التنمية إلى مشروع استقرار مستدام، لا إلى استجابة ظرفية.

 

اقتصاديًا، ينسجم هذا التوجه مع ما ذهب إليه جون ماينارد كينز حين شدد على أن المجتمعات الخارجة من الأزمات لا تُعالَج بإجراءات جزئية، بل بسياسات تعيد الثقة وتحرك الدورة الكاملة للاقتصاد. فحين تتوزع المشاريع على قطاعات متعددة، يتجاوز أثرها حدود كل مشروع منفرد، ليصنع دينامية اجتماعية واقتصادية أوسع.

 

أما سياسيًا، فإن الرهان على التنمية يعكس فهمًا عميقًا لمعنى الشرعية. فكما أوضح ماكس فيبر، لا تقوم شرعية الدولة على احتكار القوة فقط، بل على قدرتها على تنظيم الحياة اليومية للناس وتقديم الخدمات الأساسية. وعندما يلمس المواطن أثر الدولة في تفاصيل عيشه، تتراجع الحاجة إلى البدائل الخارجة عنها، وتتقدم فكرة الدولة بوصفها إطارًا جامعًا.

 

اللافت في هذه المقاربة أنها لا تتعامل مع اليمن كملف معزول، بل كجزء من معادلة استقرار إقليمي أوسع. فاليمن القادر على النهوض تنمويًا هو يمن أقل هشاشة أمام الفوضى، وأكثر قدرة على لعب دور إيجابي في محيطه. بهذا المعنى، يصبح الاستثمار في التنمية استثمارًا في الأمن المشترك، لا عبئًا سياسيًا أو ماليًا.

 

من هنا يبدو ان الجديد لا يولد الا حين يترسخ في الزمن ،لذلك فان ما يبدو اليوم خيارًا مختلفًا في المقاربة السعودية تجاه اليمن ليس في جوهره قطيعة مع الماضي، بل امتداد واعٍ وتعميق لمسار بدأ مع أولى لحظات الأزمة في اليمن . فالسعودية، منذ بدايتها، لم تنظر إلى اليمن كساحة صراع عابر، بل كجارٍ يستحق الاستقرار والحياة، وكمجتمع لا يُستعاد أمنه إلا بإعادة بناء شروط سعادته. من هنا يأتي الرهان على التنمية لا بوصفه تحوّلًا مفاجئًا، بل تأكيدًا متجددًا على خيار ثابت في هدفه: أن يعود اليمن، بجهد أبنائه ودعم أشقائه، بلدًا قادرًا على النهوض، و"يمنًا سعيدًا"بمعناه الإنساني العميق، لا كشعار تاريخي، بل كواقع ممكن.