النهار

١٥ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٥ يناير-٢٠٢٦       10615

بقلم - جمعان الكرت

من يقرأ سيرة رجل الأعمال علي بن إبراهيم المجدوعي يدرك أن الصبر والكفاح والمثابرة ليست شعارات تُرفع، بل مسار حياة يُعاش خطوة خطوة. فقد نشأ، كغيره من أبناء القرى في سراة الباحة، في بيئةٍ ريفية بسيطة، كان فيها عونًا لأسرته؛ يرعى الأغنام، ويشارك في تهيئة الأرض لزراعة الحنطة والذرة، بدءًا من تنظيفها من الحجارة والأعشاب، مرورًا بالحصاد، ثم نقل المحصول إلى الجِرن، وصولًا إلى مرحلة إنتاج الحبوب. وكانت تلك الأعمال الشاقة مدرسة مبكرة للصبر وتحمل المسؤولية.
    في بواكير حياته، انتقل المجدوعي من قريته الصغيرة في سراة الباحة ،، إلى مدينة القنفذة الساحلية المطلة على البحر الأحمر، والتي كانت آنذاك بيئة حاضنة للأمراض، ولا سيما ما ينقله البعوض من أوبئة. وقد وثّق الروائي  الأردني إبراهيم نصر الله  معاناة سكان تلك المدن في روايته العالمية «براري الحمّى». ولم يسلم والد علي المجدوعي من البلهارسيا اللعينة ، إذ توفي متأثرًا بالمرض، ليعود إلى قريته محمولًا على فرس عبر مفازات الساحل وصولا إلى مرتفعات جبال السراة وتكون أرض قريته  قبرًا له. غير أن تلك الفاجعة المبكرة لم تُطفئ طموح الابن، ولم تُضعف عزيمته على بناء ذاته.
     انتقل المجدوعي إلى جدة وهو في الحادية عشرة من عمره، ليعمل عاملًا بسيطًا في بقالة لبيع الفواكه. وبعد أربع سنوات، غادرها على متن شاحنة ركّاب متجهًا إلى الظهران، المدينة التي بزغ فيها نجم النفط، وأصبحت قبلة الباحثين عن العمل. ولم يكن يملك حتى قيمة تذكرة القطار، فتبرع أحد أقربائه بشرائها له.
    التحق بشركة أرامكو، وعمل في قسم حركة البضائع براتبٍ يومي قدره خمسة ريالات. هناك تعلّم اللغة الإنجليزية، واكتسب مهاراتٍ عملية أسهمت في تشكيل وعيه المهني. وبفطنته ونباهته، عمل موزّعًا لمشروب البيبسي في مدينة الدمام، ينقله على دراجته الخاصة بين الأحياء، في مسافات طويلة وحرارة شمس لافحة، صقلت إرادته وزادت إصراره.
    انتقل للعمل في سكة الحديد، حيث أمضى قرابة ثماني سنوات، تدرّج خلالها من مأمور ساحة إلى مدير قسم المنافسة، ثم مسؤولًا في ميناء الدمام. وفي تلك المرحلة، تحوّلت فكرة نقل زجاجات البيبسي إلى نقل الموظفين بسيارته الخاصة (تاكسي)، منتظرًا الراغبين في العودة إلى منازلهم مقابل أجرٍ يعينه على متطلبات الحياة.
     لم يكن العمل الوظيفي غايته النهائية. فقد كانت لغته الإنجليزية ومهاراته الإدارية وطموحه مفاتيح لتأسيس نواة مشروعه في النقل والتخليص الجمركي. وبفضل أمانته وصدقه وحسن تعامله، اكتسب ثقة شركات كبرى مثل الزاهد وبقشان والجفالي، ليصبح وكيلًا لها في نقل البضائع.
ومع تسارع النمو الاقتصادي في المملكة، اتسعت أعماله بوتيرة سريعة؛ فامتلك نحو 35 ناقلة، وأسّس مركزًا إقليميًا للشركة، إضافة إلى محطةٍ على طريق الملك فهد بالدمام، في موقعٍ حيوي ذي حركة مرورية كثيفة.
      في نهاية السبعينات، دخل مجال العقار، معززًا مكانته المالية والتجارية، ليُعدّ من كبار التجار في المنطقة الشرقية. وفي عام 1985م، دُعي من الغرفة التجارية بالدمام للقاء وفد من رجال الأعمال الكوريين، ليُفتح أمامه باب الوكالة الحصرية لسيارات هيونداي، والتي تُوّجت بحصوله على جائزة أفضل وكيل هيونداي على مستوى العالم عام 2010م.
      واصلت شركة المجدوعي للنقل نجاحاتها، وامتد نشاطها إلى دول الخليج وعدد من الدول العربية والشرق أوسطية، ودخلت مجالات جديدة، وشاركت بدافعٍ وطني في نقل إحدى الطائرات في حدثٍ إعلامي لافت، أكسب الشركة دعاية واسعة ورسّخ حضورها.
     لم ينسَ المجدوعي واجبه تجاه المجتمع، فأسّس جمعية خيرية تهدف إلى بناء منهجية مستدامة للعمل الخيري، تركز على تعميق الأثر الإيجابي ونقل المحتاجين من العوز إلى الاكتفاء. وقد نفذت الجمعية أكثر من 260 مشروعًا، استفاد منها نحو 88 ألف مستفيد.

ومن أبرز مبادراته:
    •    إنشاء مسجد في مكة المكرمة على مساحة 5611 م²، يتسع لأكثر من 2300 مصلٍّ، مع مرافق متكاملة، ومدرسة لتحفيظ القرآن للبنين والبنات.
    •    التبرع بأكثر من 12 مليون ريال لإنشاء مركز لرعاية الأطفال المعوقين في منطقة الباحة.
    •    التبرع بمبلغ 26 مليون ريال لجمعية إكرام لإنشاء قرية إكرام للمسنّين في محافظة بلجرشي.
     إلى جانب نجاحه الاقتصادي، تميّز المجدوعي بأخلاقه العالية وتواضعه وتواصله الاجتماعي، ما جعله محل تقدير المجتمع وولاة الأمر – حفظهم الله – لدوره في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير آلاف الفرص الوظيفية. وقد أطلقت أمانة مدينة الدمام اسمه على أحد شوارعها الرئيسية، كما حظي بتكريمٍ خاص من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز – حفظه الله.
علي بن إبراهيم المجدوعي نموذجٌ للرجل العصامي الذي صنع مجده بيده، وكتب قصته بالعمل، وخلّد اسمه بالعطاء، فاستحق أن تكون سيرته مصدر إلهامٍ للأجيال القادمة….