النهار

١٤ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٤ يناير-٢٠٢٦       6215

بقلم - د أحمد بن سعد بن غرم الغامدي

لم نُخطئ عندما احترمت المملكة العربية السعودية من لا يستحق الإحترام ، ولا عندما قدّمت من لا يستحق التقديم، ولا حين بالغت في حسن الظن بدولٍ وأطرافٍ ظنّت أن السياسة يمكن أن تُدار بالأخلاق قبل المصالح، وبالمروءة قبل الحسابات الضيقة. لم نُخطئ؛ لأن ما فعلته المملكة لم يكن سذاجة ولا ضعفًا، بل كان تعبيرًا صادقًا عن ثوابتها الراسخة، ونهجها التاريخي الذي يقوم على الحكمة، وحسن الجوار، وحقن الدماء، وتقديم الاستقرار على الصدام.

لم نُخطئ عندما مدت المملكة يدها بالسلام إلى من لم يعرف للسلام معنى، وفتحت أبوابها للحوار مع من أغلق كل أبواب العقل، وتغاضت عن الإساءة تلو الإساءة، أملاً في أن يُثمر الصبر رشدًا، وأن يولد الحلم وعيًا. لم نُخطئ عندما صبرنا على أذى دويلةٍ جعلت من الفوضى مشروعًا، ومن العبث سياسة، ومن التدخل في شؤون الآخرين عقيدة ثابتة لا تحيد عنها.

لم نُخطئ عندما آمنت المملكة بأن وحدة الصف الخليجي والعربي مصلحة عليا، فتجاوزت الاستفزازات، وكتمت الغضب، واحتملت ما لا يحتمل، بينما كانت تلك الدويلة تُحسن استغلال الصبر السعودي، فتقابل الإحسان بالإساءة، والمبادرات بالتآمر، والصدق بالغدر، وتفتح المنابر للتحريض، وتحتضن كل مناوئ، وتُجاهر بالعداء ثم تتدثر بثوب الضحية.

لم نُخطئ عندما تبسّمت المملكة في وجه من عبس لها، وصافحت من كان يُضمر الكراهية، وسلّمت على من أعرض، وتمنّت الخير لمن كان يتمنى الشر، وسعت في استقرار المنطقة بينما كانت تلك الدويلة تسعى في تعطيل كل مسعى، وتخريب كل وفاق، وإشعال كل فتنة. لم نُخطئ عندما فرحت المملكة لفرح الجوار، وحزنت لحزنهم، بينما كان الطرف الآخر يفرح لكل أزمة تمر بها المنطقة، ويتاجر بآلام الشعوب، ويستثمر في الخراب.

لم نُخطئ عندما حافظت المملكة على العهود، رغم أن الطرف الآخر دأب على نقضها، واحترام المواثيق، رغم اعتيادهم الالتفاف عليها، والتزام الصدق، رغم اتخاذهم الكذب نهجًا، والتقية أسلوبًا، والتلون سياسة. لم نُخطئ عندما قبلت المملكة الأعذار، وأعطت الفرص تلو الفرص، لا عجزًا ولا خوفًا، بل التزامًا بمبدأ أخلاقي عالٍ يميز الدول العظمى عن الكيانات الصغيرة التي لا تعيش إلا في ظل الأزمات.

لقد تعاملت المملكة بأخلاق الدولة، ومسؤولية القيادة، ورؤية الاستقرار، بينما تعاملت دويلة الشر بأخلاق المؤامرة، وضيق الأفق، وارتهان القرار، فكان الفارق شاسعًا بين من يحفظ كرامته وهو صابر، ومن يفقد كرامته وهو متآمر. المملكة ربحت المروءة، وربحت احترام العالم، وربحت ثقة الشعوب، وربحت قبل ذلك وبعده رضا الله عن صدق النية وسلامة المقصد، أما هم فلم يكسبوا إلا الخسة ، وخسروا الكرامة ، وسقطت أقنعتهم أمام القريب والبعيد.

ولم نُخطئ عندما لبّت المملكة نداء جيرانها في اليمن وغيره، حينما استطال شر دويلة الشر، وتفشّت مشاريع الحقد والكراهية، والسرقة والدمار والقتل، وتهددت الأوطان، واستُبيحت السيادة، وانقلبت المليشيات على الشرعية، وحُوّلت البلاد إلى منصات تهديد وأدوات ابتزاز. لبّت المملكة النداء قولًا وفعلًا، موقفًا وميدانًا، لا بالشعارات، بل بالفعل العسكري المنضبط، والسياسة المحكمة، والتحالفات الذكية.

لم نُخطئ عندما لم تنتظر المملكة حتى يصل الخطر إلى عقر دارها، بل واجهته في منابعه، وحاصرته في مواقعه، وكسرت توسعه، وأوقفت تمدده. كانت حاضرة بجنودها، برجالها، بطيرانها، وبقرارها السيادي المستقل، وقدّمت من أرواح أبنائها ما يثبت أن الدفاع عن الجوار دفاع عن الوطن، وأن أمن المملكة لا ينفصل عن أمن محيطها العربي .

لم نُخطئ عندما واجهنا الحملات الإعلامية، والتشويه، والافتراء، لأن المملكة لم تكن بحاجة إلى الصراخ لتثبت حقيقتها؛ إنجازاتها كانت أبلغ من أي خطاب، ووقائعها كانت أقوى من أي دعاية مضادة. في زمنٍ قصير، أثبتت أنها دولة تُنهي الملفات لا تُدير الأزمات، وتُغلق الثغرات لا تُراكم الأخطاء، وتُحوّل التحديات إلى فرص.

نحن عاملناهم بأخلاقنا، وهم عاملونا بأخلاقهم.
نحن ربحنا المروءة، وربحنا احترام العالم، وربحنا ثقة الشعوب، وربحنا قوة الردع، وربحنا وضوح الموقف.
وهم لم يكسبوا إلا اللؤم، وخسروا المصداقية، وسقطت أوراقهم واحدة تلو الأخرى .

لم نُخطئ، لأن الخطأ ليس في أن تحسن، بل الخطأ أن تسيء، وليس في أن تصبر، بل في أن تتآمر، وليس في أن تمد يد السلام، بل في أن تعضّ اليد الممدودة. وستبقى المملكة، كما كانت دائمًا، دولة مبدأ لا نزوة، وقيم لا مصالح عابرة، وقوة حكيمة تعرف متى تصبر، ومتى تحسم، ومتى تقول: كفى.