النهار
بقلم - الدكتور محمد الحقيب الغامدي
لم يعد الكون في نظر العلم مجرّد نجوم لامعة ومجرات متلألئة بل صار كيانا أعظم تحمله قوى خفية وتشد أركانه .
مادة لا تُرى ولا تُلمس لكنها تمسك بكل شيء .
هذه هي نظرية المادة المظلمة الباردة إحدى أهم النظريات في علم الكونيات الحديث .
بدأت القصة حين لاحظ العالم السويسري ( فريتز زفيكي) عام 1933م أن المجرات في العناقيد تتحرك كما لو أن هناك كتلة إضافية غير مرئية تؤثر فيها .
لم يكن الضوء كافيا لتفسير المشهد فافترض وجود مادة خفية تمارس ثقلها بصمت .
ثم جاءت العالمة ( فيرا روبين ) الأمريكية التي رحلت عن عمر يناهز ٨٨ عاما جاءت في السبعينيات لتؤكد الأمر حين درست دوران المجرات فاكتشفت أن النجوم في أطرافها تدور بسرعات لا يفسرها ما نراه من مادة وكأن شيئاً غير مرئي يربطها ويمنعها من الانفلات .
ومع تطور علم الكونيات في الثمانينيات تبلورت الصورة في إطار أوسع سُمي بالمادة المظلمة الباردة .
مادّة لا تصدر ضوءاً ولا تتفاعل معه .
بطيئة الحركة منذ نشأة الكون لكنها العمود الفقري لتكون المجرات وبنية الكون الكبرى .
هذه النظريّة تقول ببساطة :
لو لم تكن هناك مادّة خفيّة تمسك بالكون لما تشكلت المجرات ولا استقرت النجوم ولا بقي هذا النظام البديع قائماً .
وهنا يبرز السؤال العميق :
هل هذه الفكرة وليدة العصر الحديث فقط ؟!
الجواب الذي يدهش القارئ أن الوحي سبق إلى تقرير أصل الفكرة لا بصيغة معادلات بل بمنهج رؤية .
فالقرآن لم يحصر الوجود في المشهود بل وسّع أفق الإنسان ليؤمن بأن ما لا يُرى قد يكون أعظم أثراً مما يُرى .
انظر إلى قوله تعالى : { إِنَّ ٱللَّهَ یُمۡسِكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ وَلَئن زَالَتَاۤ إِنۡ أَمۡسَكَهُمَا مِنۡ أَحَدࣲ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۤۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِیمًا غَفُورࣰا }
فتدبر هذه الآية كيف شئت تجد العجب العجاب فالله أكبر ما أعظم خلق الله فكيف بمن خلقه .
وقال الله تعالى :
﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾
فجعل الإيمان بالغيب أساساً للفهم قبل أن يكون قضيةً عقدية .
وقال سبحانه :
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
وهي آية مفتوحة على الزمن لا تُغلق عند عصر ولا تقف عند اكتشاف .
فالقرآن لم يقل إن كل ما في الكون مُدرَك بالحواس بل قرر أن هناك خلقاً غير منظور وأن للكون نظاماً خفياً يمسك بتوازنه .
وهذا هو جوهر ما وصل إليه العلم اليوم .
قوى غير مرئية ومادة لا ترى لكنها تحكم المشهد الكوني .
ليس المقصود أن القرآن كتاب فيزياء ولا أن العلماء نقلوا نظرياتهم منه .
لكن المقصود أن المنهج القرآني ربّى العقل على قبول الغيب وعلى أن الوجود أوسع من الضوء وأعمق من العين .
وهكذا يلتقي الطريقان دون تصادم :
العلم يكتشف والقرآن يوجه ويهدي
والحقيقة واحدة .
{ قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِی ٱلۡـَٔایَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمࣲ لَّا یُؤۡمِنُونَ } .
مقالٌ كهذا لا يطلب من القارئ أن يكون عالم فلك بل أن يدرك أن العلم حين يتواضع يلمس طرفاً من الغيب
الذي آمن به الوحي منذ قرون .