النهار
بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
لم يكن ما جرى في فنزويلا مجرّد فصلٍ عابر من فصول الاشتباك الأميركي–الصيني، بل كان كاشفًا استراتيجيًا لحقيقة أعمق: العالم لم يعد يحتمل قرارًا أحاديًا مهما بلغت قوته، ولا اقتصادًا مهيمنًا مهما طال عمره. فاللحظة ليست حدثًا معزولًا، بل علامة تحوّل في بنية النظام الدولي.
جرأة واشنطن في التحرك داخل ما تسميه تاريخيًا «فنائها الخلفي» لا تعبّر عن فائض قوة بقدر ما تكشف ضيق الخيارات. فالقرار الجريء حين يأتي متأخرًا لا يكون دليل ثقة، بل مؤشر استعجال. وكما قال ريمون آرون:
«القوة العظمى لا تُقاس بقدرتها على الفعل، بل بقدرتها على تحمّل نتائج الفعل».
وهنا تتبدّى المفارقة المركزية: الولايات المتحدة ما زالت قادرة على الفعل، لكنها لم تعد قادرة على تحمّل كلفته بلا حساب. لقد انتقلت من مرحلة إدارة العالم إلى مرحلة إدارة الارتدادات؛ حيث بات كل قرار خارجي ينعكس فورًا على الداخل الأميركي سياسيًا واقتصاديًا.
في المقابل ؛ لم تتعامل الصين مع الحدث بوصفه معركة يجب كسبها فورًا، بل باعتباره حلقة في مسار طويل. لا خطابات نارية، ولا استعراض عضلات، بل صلابة هادئة تنبع من إدراكٍ عميق بأن الزمن – لا الضجيج – هو الحليف الحقيقي للقوى الصاعدة. وكما تُنسب إلى دنغ شياو بينغ مقولته الشهيرة:
«راقب بهدوء، أمّن موقعك، وانتظر اللحظة».
الصين لم تنتظر لترد ؛ لكنها أيضًا لم تتعجل لتصعّد. وهذا بحد ذاته رسالة قوة. فالدول الواثقة لا تردّ انفعالًا، بل تُدخل خصومها في حسابات جديدة. وهنا تحضر مقولة سبينوزا بدلالتها السياسية العميقة:
«القوة الحقيقية لا تظهر في الغضب، بل في السيطرة عليه».
التحول الأخطر في المشهد ليس عسكريًا ولا سياسيًا، بل اقتصادي–نقدي. فالدولار لم يعد سلاحًا بلا كلفة، والعقوبات لم تعد أداة بلا ارتداد. لقد دخلت الولايات المتحدة مرحلة بات فيها كل قرار خارجي يترك أثره المباشر على الداخل: تضخم، أسواق قلقة، ديون متراكمة، واستقطاب سياسي حاد. وكما نبّه بول كينيدي:
«الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تُستنزف ببطء حين تتجاوز التزاماتها قدرتها».
أما الصين ؛ فلا تسعى إلى وراثة الهيمنة الأميركية، بل إلى تفكيك منطق الهيمنة ذاته. فهي لا تقول: سأكون القطب الأوحد، بل تفرض واقعًا أكثر دهاءً: لن تكون وحدك بعد اليوم. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين مشروعين؛ أحدهما يسعى إلى السيطرة، والآخر يعمل على تعدد مراكز التأثير. وكما قال أنطونيو غرامشي:
«الأزمة الحقيقية هي حين يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد بعد».
فنزويلا، في هذا السياق ؛ ليست سوى مرآة. ليست الهدف، بل الساحة التي انعكس عليها صراع أوسع: صراع بين نظام اعتاد أن يقرّر منفردًا، ونظام ناشئ يفرض منطق التشاور القسري. وكما قال هنري كيسنجر:
«النظام الدولي يتغيّر حين تفقد القوة الكبرى قدرتها على فرض تعريفها الوحيد للشرعية».
نحن-إذن- أمام عالم لا ينتقل من قطب إلى قطب، بل من أمرٍ إلى تفاوض، ومن إملاء إلى توازنات دقيقة. أميركا لم تُهزم، لكنها لم تعد مطلقة اليد. والصين لم تنتصر، لكنها أصبحت حاضرة في كل معادلة، وفي كل قرار، حتى وإن لم تُذكر بالاسم.
الخلاصة ليست في سقوط هذا أو صعود ذاك، بل في الجملة التي باتت تحكم السياسة الدولية الجديدة وتختصر روح المرحلة:
«لن أكون وحدي بعد اليوم».
وهي – لمن يقرأ التاريخ بعمق – أخطر من أي إعلان حرب ؛ لأنها لا تعلن انهيار قوة ولا تتغنّى بصعود أخرى، بل تؤشّر بوضوح إلى انتقال العالم من منطق «الهيمنة» إلى منطق «الموازنة»؛ حيث لم يعد القرار يُفرض، بل يُحسب، ولم تعد القوة تُمارَس منفردة، بل تُدار داخل شبكة توازنات دقيقة!!