النهار

١٣ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ يناير-٢٠٢٦       7425

بقلم  - نوره محمد بابعير 

ليس من الضروري أن ترفع الثقافة صوتها كي تُسمع، أحيانًا يكفي أن تعتني بالتفاصيل. هذا ما بدا واضحًا في مهرجان الكتّاب والقراء، حيث لم تكن الفعاليات مجرد برامج معلنة، بل مشاهد متجاورة تحكي معنى الثقافة بوصفها تجربة معيشة، لا حدثًا عابرًا.

في الطائف، لم تُقدَّم الثقافة على هيئة منصة واحدة، بل جاءت موزعة بذكاء بين زوايا متعددة؛ كتب تتكئ على أرفف مفتوحة، عناوين تمتد كدعوة صامتة للقراءة، وأعمال يدوية وتراثية تعيد الذاكرة إلى جذورها الأولى، بينما ينساب الغناء كخيطٍ ناعم يصل الماضي بالحاضر، ويمنح المكان دفئه الإنساني.

المهرجان لم يجمع الفنون بوصفها أنشطة متفرقة، بل نسج بينها سردًا حكائيًا يوحي بأن الثقافة باب واسع، كلما اقترب منه الإنسان وجد ما يشبهه خلفه. هنا، لا تُفرض الثقافة على الزائر، بل تُقدَّم له كمساحة مفتوحة للاكتشاف، حيث يمكن للكتاب أن يقود إلى حكاية، وللحكاية أن تفتح سؤالًا، وللسؤال أن يتحول إلى معرفة مشتركة.

اللافت في المشهد الثقافي أن الأسماء الأدبية لم تُطرح بوصفها رموزًا بعيدة، بل حضرت بأشكالها الإنسانية القريبة؛ كُتّاب يتحاورون، قرّاء يناقشون، ووجوه جديدة تجد طريقها إلى المشهد دون حواجز. بدا الأدب هنا فعل مشاركة لا سلطة، ومساحة تواصل لا منصة خطاب.

الطائف اليوم لا تستضيف مهرجانًا فحسب، بل تشاهد سردًا حيًا لمعنى الثقافة، حيث تتحول الأيام العطرة بالكتب والفنون إلى ذاكرة جمعية تترك أثرها في الزائر قبل أن تغادر المكان. أثرٌ لا يُقاس بعدد الصور، بل بعمق الأسئلة التي تُزرع، وبالرغبة التي تنمو في العودة إلى القراءة، وإلى الحوار، وإلى المعرفة.

مثل هذه الفعاليات لا تُنهي دورها بإغلاق أبوابها، بل تبدأه بعد ذلك. فهي تنمّي القدرة المعرفية لدى الفرد، وتفتح جسور مشاركة العلم بين شخصٍ وآخر، وتُعيد الاعتبار للثقافة بوصفها ممارسة يومية، لا مناسبة موسمية. وحين تُقدَّم الثقافة بهذا القرب وبهذا الوعي بالتفاصيل، تصبح قادرة على ترك أثرٍ قيمي طويل الأمد، يرافق الإنسان أينما ذهب .