النهار
بقلم - منى يوسف الغامدي
في اللحظات الفارقة من تاريخ الدول، لا تصنع الأحداث القادة، بل يصنع القادة مسار الأحداث.
وحين يُعاد اختيار صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الشخصية القيادية العربية الأكثر تأثيراً للعام الخامس على التوالي، فإن ذلك لا يُقرأ بوصفه تصنيفاً إعلامياً عابراً، بل توصيفاً سياسياً دقيقاً لتحول عميق في بنية الدور السعودي إقليمياً ودولياً.
إنه اعتراف عربي متجدد بقيادة أعادت تعريف مفهوم التأثير، ونقلت المملكة من موقع التفاعل مع التحولات إلى موقع المبادرة وصناعة القرار.
لم تكن رؤية السعودية 2030 خطة تنموية تقليدية، بل إعادة هندسة شاملة للدولة؛ اقتصادياً؛ واجتماعياً؛ وسياسياً.
رؤية قامت على قراءة واعية لمعادلات القوة في القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد الموارد وحدها تصنع النفوذ، بل الإنسان، والابتكار، والقدرة على التكيف وصناعة الفرص.
فتحولت الرؤية على يد سيدي ولي العهد من مشروع وطني إلى فلسفة دولة.
قاد الأمير محمد بن سلمان هذه الرؤية بعقلية رجل دولة يدرك أن الاستدامة السياسية تبدأ من الداخل، وأن الشرعية الحديثة تُبنى عبر الإنجاز، والثقة، وتمكين المجتمع.
فكان التحول الاقتصادي متوازياً مع حراك اجتماعي متزن، أعاد للمواطن السعودي ثقته بذاته، وعزز شعوره بالشراكة في صناعة المستقبل.
في التحليل السياسي العميق، لا يمكن فصل صعود الدور الدولي للمملكة عن صلابة جبهتها الداخلية.
لقد نجح سمو ولي العهد في بناء نموذج دولة مستقرة، طموحة، واضحة الاتجاه، وهو ما انعكس مباشرة على وزنها في المعادلات الإقليمية والدولية، فكان الداخل القوي بوابة العبور نحو التأثير الخارجي القوي.
تحولت السعودية إلى دولة قرار لا دولة رد فعل، وإلى مركز جذب للاستثمار العالمي، ومختبر مفتوح لمشاريع المستقبل في الطاقة، والتقنية، والذكاء الاصطناعي، والتنمية المستدامة.
وهذا التحول الاقتصادي لم يكن هدفاً بحد ذاته، بل أداة استراتيجية لتعزيز الاستقلالية السياسية وتوسيع هامش الحركة الدولية.
في محيط إقليمي مضطرب، اختارت القيادة السعودية بقيادة الأمير محمد بن سلمان، أن تكون قوة اتزان لا وقود صراع.
فتعاملت مع ملفات شديدة التعقيد -في سوريا واليمن والسودان- بمنطق الدولة المسؤولة، التي تدرك أن الأمن لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بالحلول السياسية، وبناء التوافقات، واحتواء الانقسامات.
أعادت السعودية تعريف دورها الإقليمي، ليس كطرف في النزاعات، بل كوسيط موثوق، وصانع مسارات سلام، مستندة إلى ثقلها السياسي، ومكانتها الدينية، وقوتها الاقتصادية.
وهو تحول نوعي جعل من الرياض منصة حوار دولي، لا يمكن تجاوزها في أي تسوية كبرى تخص المنطقة.
السعودية اليوم في قلب صناعة القرار العالمي، فعلى الساحة الدولية، لم يعد حضور سمو ولي العهد المظفر محمد بن سلمان حضور دولة تبحث عن موقع، بل قيادة تعرف وزنها وتستخدمه بذكاء.
ففي المحافل العالمية، يُطرح الخطاب السعودي بلغة المصالح المشتركة، لا بلغة التبعية، وبمنطق الشراكة لا الاستقطاب.
أصبحت المملكة لاعباً محورياً في قضايا الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الاقتصادي، وهو ما منحها قدرة حقيقية على التأثير في صناعة القرار الدولي.
ولم يكن ذلك ممكناً لولا توفيق الله لسمو ولي العهد ومعيته له في وضع رؤية سياسية ترى في الانفتاح المدروس قوة، وفي الاستقلالية المتزنة ضماناً للمصالح الوطنية.
يتميز الأمير محمد سلمان بنموذج قيادي نادر في العالم العربي: قائد يجمع بين الجرأة والعمق، وبين سرعة القرار وطول النفس الاستراتيجي.
قائد لا يكتفي بإدارة الحاضر، بل ينشغل بصناعة المستقبل، ولا يخشى التغيير، بل يقوده.
إنه نموذج لزعامة وطنية تفهم التحولات العالمية، وتقرأ موازين القوة الجديدة، وتُحسن توظيفها لخدمة الوطن، دون التفريط بالثوابت أو الانجراف خلف الشعارات.
اليوم، تقف المملكة العربية السعودية على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة، يقودها سمو ولي العهد برؤية واضحة، وإرادة سياسية صلبة، وثقة شعبية متنامية.
اختيار الأمير محمد بن سلمان الشخصية العربية الأكثر تأثيرا ليس تكريما لشخصه فحسب، بل إشادة بمسار وطني كامل، وبمستقبل يُبنى بثقة وعقلانية.
إنها قيادة جعلت من السعودية رقماً صعباً في السياسة الدولية، ونموذجاً صاعداً في التنمية، وصوتاً عاقلاً في عالم مضطرب.
وفي ظل هذه القيادة، لا يبدو المستقبل وعداً بعيداً بل حقيقة تتشكل... بخطى واثقة، وإرادة وطن.