النهار

١١ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يناير-٢٠٢٦       11825

بقلم - شموخ نهار الحربي 

مرّت أربع سنوات على وفاة أبي،
وأستطيع اليوم أن أقول إن الفقد لا ينتهي، لكنه يعلّمنا الكثير إن أصغينا له.

في السنة الأولى، كنت أعدّ الأيام.
في الثانية، صرت أعدّ الذكريات.
وفي الثالثة والرابعة، بدأت أعدّ نفسي: كيف تغيّرت؟ ماذا كسبت رغم الخسارة؟ وكيف استطعت أن أقف من جديد؟
الفقد في بدايته يشبه الصدمة؛ لا نعرف كيف نتعامل معه، ولا كيف نفسّر هذا الفراغ المفاجئ. نستيقظ وكل شيء كما هو، إلا الشخص الذي كان يمنح الأشياء معناها. ومع الوقت، نكتشف أن الألم لا يختفي فجأة، بل يهدأ تدريجيًا، وكأنه يمنحنا فرصة لنتعلّم كيف نعيش به لا ضده
أكثر ما تعلّمته بعد رحيل أبي أن الحزن لا يعني الضعف. البكاء ليس انهزامًا، والاشتياق ليس علامة على عدم التعافي. نحن لا نُشفى من الفقد، نحن فقط نكبر حوله، ونوسّع قلوبنا كي تتّسع للذكرى دون أن تخنقنا
ومن هنا، أنصح كل من يمرّ بتجربة فقد ألّا يستعجل نفسه. لا تقارن حزنك بحزن غيرك، ولا تسمح لأحد أن يضع لك جدولًا زمنيًا للتعافي. بعض الأيام ستكون ثقيلة بلا سبب واضح، وهذا طبيعي، وبعض اللحظات ستفاجئك فيها الذكرى حتى بعد سنوات، وهذا لا يعني أنك عدت إلى نقطة الصفر
تعلّمت أيضًا أن الحديث عن الراحلين ليس ضعفًا. ذكر أسمائهم، واستحضار مواقفهم، والابتسام حين نتذكرهم… كل ذلك جزء من التوازن، وجزء من الشفاء. نحن لا نُبقيهم في قلوبنا بالصمت، بل بالاعتراف بأنهم كانوا حضورًا حقيقيًا في حياتنا ومن أهم ما أدركته، وأقوله لكل حزين: لا تُهمل نفسك بحجة الوفاء للحزن. الحياة لا تتوقف احترامًا لفقدنا، لكنها تمنحنا خيارين واضحين: إما أن نعيش ونحن نحمل الألم بوعي، أو أن ندفن أنفسنا معه دون أن نشعر. الاعتناء بالنفس ليس خيانة للراحلين، بل امتداد لما كانوا يتمنونه لنا من حياة وطمأنينة
بعد أربع سنوات، لم يصبح أبي ذكرى بعيدة، بل صار قيمة أستحضرها في قراراتي، وصوتًا داخليًا يوجّهني، ودعاءً لا ينقطع. الفقد غيّرني، نعم، لكنه لم يكسرني. جعلني أهدأ، أعمق، وأكثر فهمًا لمعنى الرحيل، ومعنى البقاء.
رسالتي لكل من يقرأ:
اسمح لنفسك أن تحزن، لكن لا تحرمها من الحياة.
تعلّق بالذكريات، لكن لا تسكنها.
وتذكّر أن من رحلوا لا يريدوننا أسرى للألم، بل شهودًا على الحب الذي تركوه فينا
رحم الله أبي، ورحم كل من غابوا وبقوا في القلوب.
الفقد قاسٍ، لكنه ليس نهاية الطريق…
هو فقط بداية شكل جديد من الحياة، أكثر صدقًا، وأعمق معنى.