النهار

١١ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يناير-٢٠٢٦       9405

بقلم - د. غالب محمد طه
تداولت منصات إعلامية رقمية مؤخرًا مؤشرًا يُقال إنه يقيس “تدفق المشاعر والحب” بين مدن المملكة، وقد أثار المؤشر اهتمامًا ليس فقط بسبب المدن التي تصدّرت نتائجه، بل بسبب المدن التي غابت عنه، وعلى رأسها حفر الباطن.
هذا الغياب يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تكفي المؤشرات الرقمية لقراءة المجتمع كما هو، أم أنها تعكس فقط ما يُعلن ويُنشر في الفضاء الرقمي؟
حفر الباطن ليست مدينة غائبة عن الحياة الاجتماعية، ولا يمكن اختزال حضورها بمقدار التفاعل الرقمي. هي مدينة ذات نسيج اجتماعي متماسك، حيث لا تزال المجالس تُمارس دورها الطبيعي، والجيرة قائمة، والمناسبات مجالًا للقاء المباشر والمعرفة الحقيقية، لا للإعلان أو التوثيق الرقمي.
الواقع يقول إن كثيرًا من العلاقات والروابط لا تُرى على الشاشات، لكنها حاضرة بقوة في الحياة اليومية، تُعاش في المواقف، وتتشكل في تفاصيل اللقاء المباشر، فتظل ثابتة رغم غيابها عن أي أداة قياس.
ومن هنا يبرز التساؤل الأهم: هل تستطيع الأدوات الرقمية، مهما تطورت، أن تلتقط طبيعة العلاقات التي تُبنى بالفعل والحضور، لا بالتصريح والانتشار؟
الإشكالية ليست في استخدام المؤشرات أو البيانات الرقمية، بل في الافتراض الضمني بأن ما لا يظهر على المنصات أقل حضورًا في الواقع. وهو افتراض يغفل خصوصية المجتمع السعودي، حيث تُدار المشاعر غالبًا بمنطق الفعل لا الإعلان، وبثقافة ترى في الخصوصية قيمة اجتماعية راسخة، لا قصورًا في التعبير.
ويتوافق هذا الرأي مع مرتكزات رؤية المملكة 2030، التي تعاملت مع التحول الرقمي كأداة لفهم المجتمع وتحسين جودة الحياة، لا كإطار نهائي للحكم على الواقع الاجتماعي. فالبيانات الرقمية يجب أن تكون خادمة للإنسان، لا بديلة عنه.
والحق أن المدن الكبرى غالبًا ما تحظى بتمثيل أكبر في هذه المؤشرات، بحكم كثافتها السكانية ونشاطها الإعلامي، لكن هذا الظهور لا يعكس بالضرورة التفوق في التماسك الاجتماعي، وإنما اختلاف أنماط الحياة وطرائق التعبير بين المدن.
وفي المقابل، تبرز مدن مثل حفر الباطن كنموذج للاستقرار الاجتماعي الهادئ، حيث تُمارس قيم التكافل والتواصل بعيدًا عن الأضواء، وتُبنى العلاقات على القرب الاجتماعي والتجربة المشتركة، لا على التفاعل اللحظي أو الحضور الافتراضي. ومع ذلك، لا يغفل المجتمع التطور، من مشاريع عمرانية حديثة إلى مبادرات تعليمية وثقافية ورياضية، تؤكد قدرة المدينة على الجمع بين الحداثة والحفاظ على نسيجها الاجتماعي.
لذلك، غياب حفر الباطن عن هذا المؤشر لا يحمل دلالة سلبية، بل يكشف محدودية الأداة، ويؤكد أن بعض المجتمعات تعبّر عن مشاعرها في تفاصيل الحياة اليومية، ولا ترى في الإعلان شرطًا لوجودها.
فهل يكفي الاعتماد على الأرقام لتحديد حضور المدن في نسيج الحياة الاجتماعية، أم أن بعض المجتمعات، كما حفر الباطن، تظل أصدق في روابطها وأعمق في حضوره، حتى وإن غابت عن كل قائمة وإحصائية؟