النهار
بقلم - د . أحمد بن سعد بن غرم الغامدي
همومكم همومنا، لأننا لم نُخلق لنتفرج على الألم من بعيد، ولم تُبنَ هذه البلاد لتكون جزيرة معزولة عن وجع جيرانها وأمتها .
فجراحاتكم جراحاتنا، تنزف في ضمائرنا قبل أن تنزف في الأجساد، وتوقظ فينا عهدًا قديمًا متجددًا أن الكرامة لا تتجزأ، وأن الظلم إن تُرك في موضعٍ تمدد إلى سائر المواضع. وآمالكم آمالنا، لأن الأمل إذا انكسر في قلب إنسانٍ واحدٍ انكسر شيءٌ من إنسانيتنا جميعًا.
نحن قادمون…
قادمون باسم المملكة العربية السعودية، لا كقوةٍ تبحث عن نفوذ، ولا كدولةٍ تطلب مجدًا زائفًا، بل كرسالةٍ تعرف طريقها، وكضميرٍ حيٍّ لا يساوم على العدل ولا يساكن الظلم. قادمون لنعيد للأمل صوته بعد أن أُسكت طويلًا، ولنعيد للبسمة مكانها الطبيعي على الوجوه التي أتعبها الخوف وأرهقها الانتظار.
قادمون لنرفع الظلم، لا بالشعارات، بل بالفعل، ولا بالضجيج، بل بالحكمة والحزم معًا. قادمون لإزاحة الظلمات عن جيراننا، وعن البعيد قبل القريب، لأننا نؤمن أن الأمن لا يُستورد، وأن السلام لا يُفرض، وأن الكرامة لا تُمنح منّة، بل تُصان حقًا أصيلًا. قادمون لنبني جسور الثقة بين الشعوب، وبين الدول العربية والإسلامية، ومع العالم أجمع، ثقةً تقوم على الصدق، وتحيا بالاحترام، وتستمر بالشراكة العادلة.
نحن قادمون لزراعة السنابل في أرضكم، لا لننهب خيراتها، بل لنُحييها، ولنحارب الجوع والفقر والمرض الذي اعتصر الأرواح قبل الأجساد. نؤمن أن التنمية الحقيقية لا تُقاس بحجم الأرباح وحدها، بل بعدد الأيدي التي امتدت من الحاجة إلى الكفاية، ومن العوز إلى الاكتفاء، ومن اليأس إلى الرجاء.
نحن قادمون نصرةً للعدل، لأن العدل أساس العمران، وتعزيزًا للسلام، لأن السلام هو المعركة الأسمى التي تستحق أن تُخاض، وإنهاءً للاصطلام والاحتراب الذي لم يخلّف إلا الخراب والتيه. نمد يدنا للسلام بصدق، ونشد قبضتنا في وجه العدوان بحزم، فلا سلام مع الفوضى، ولا استقرار مع الظلم.
نحن المملكة العربية السعودية التي تتجدد بكل جديد، دون أن تنقطع عن جذورها، وتبني اقتصادها بلا هيمنة ولا استحواذ، بل بشراكاتٍ حقيقيةٍ رابحةٍ للجميع، تؤمن بأن ازدهار الآخرين جزء من ازدهارنا، وأن المصالح إذا توازنت استقرت، وإذا استقرت دامت.
نحن اليد الحانية لكل من استجار واستغاث، نفتح صدورنا قبل حدودنا، وقلوبنا قبل مواردنا، ونمد العون حيث يكون العون حياة. ونحن في الوقت ذاته اليد القوية، الطولى، لكل حليفٍ استدعانا لرفع الشر وجماعاته ودويلاته الغاشمة عنه، لأن الوفاء ليس خيارًا عابرًا، بل خُلُق دولة ومبدأ أمة.
نحن الذين نبذل النفس والنفيس دفاعًا عن جيراننا وعن كل حلفائنا، لا حبًا في الحرب، بل كرهًا في الظلم، وإيمانًا بأن ترك الشر يتمدد خيانة للسلام نفسه. نحن الذين صححنا بوصلة الزمن حين اختلّت، وأعدنا توجيهها نحو الحق، عندما اتخذ الشر ودويلاته دول العرب والمسلمين والمستضعفين غنيمة، وشعوبهم وقودًا لمشاريع الهدم والفوضى.
هكذا نحن السعوديون الجدد، نُتمّ ما بناه الآباء والأجداد من صحة التدين، وسلامة المعتقد، وقيم المروءة والشهامة والعزة والنخوة والنجدة. لم نبدّل القيم، بل جدّدنا وسائل حملها، ولم نغادر التاريخ، بل جعلناه منطلقًا للمستقبل.
نحن قادمون، وعازمون، أن نعيد الحقوق المسلوبة إلى أهلها، وأن نثبت أن القوة حين تقترن بالأخلاق تصنع الفرق، وأن القيادة الرشيدة حين تجتمع مع وحدة الصف تصنع المعجزات. فهنيئًا لنا بمبادئنا، برجولتها، وبوحدة صفّنا، وبرشاد قيادتنا، وبوطنٍ إذا قال: نحن قادمون… كان لقدومه معنى، ولحضوره أثر، ولرسـالته