النهار

٠٩ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ يناير-٢٠٢٦       6545

بقلم - نوره محمد بابعير

 

ليس الفكر الفلسفي ترفًا ذهنيًا، ولا ممارسة نخبوية معزولة عن تفاصيل الحياة، بل هو حين يبلغ نضجه الحقيقي يتحول إلى سلوك يومي، وإلى وعيٍ حاضرٍ يوجّه اختيارات الإنسان ويعيد تشكيل علاقته بذاته وبالعالم من حوله. فعندما يجتمع الفكر الفلسفي مع الممارسة الحياتية، تبدأ ملامح النضج الواعي في الظهور، ويغدو الإنسان أكثر قدرة على قراءة أفعاله، وفهم دوافعه، وتقدير نتائج قراراته.

 

الفلسفة الواعية لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُمارس. فهي تنعكس في سلوك الإنسان، في طريقته في الحوار، وفي تعاطيه مع الاختلاف، وفي أسلوبه في إدارة الوقت، وفي اختياراته الاجتماعية والثقافية. ومع الزمن، تصبح هذه السلوكيات ثمارًا ناضجة لفكرٍ رصين، تعرف قيمة الأشياء التي تصدر عنها، وتُحسن التعامل معها دون إفراط أو تفريط. وهنا يبدأ الإنسان في جني أثر فلسفته الخاصة، لا بوصفها فكرة مجردة، بل كنهج حياة متوازن.

 

وحين تتشكل السلوكيات على أساس فلسفي واعٍ، فإنها تفتح للإنسان أبوابًا متعددة؛ أبوابًا اجتماعية تعزز حضوره واحترامه للآخرين، وأبوابًا ثقافية توسّع أفقه وتثري رؤيته، وأبوابًا للتطوير الذاتي تنمّي قدراته المعرفية وتمنحه وعيًا أعمق بذاته وبما يدور حوله. فالعقل الذي اعتاد التفكّر، يصبح أكثر قابلية للتعلّم، وأكثر قدرة على إعادة تقييم تجاربه، وأقل اندفاعًا نحو الأحكام السطحية.

 

ومع انتقال الإنسان عبر المراحل الحياتية المختلفة، تتكشف له معانٍ جديدة للحياة، لا تأتي دفعة واحدة، بل تُكتسب عبر التجربة، والاحتكاك، والخسارة أحيانًا، والنجاح أحيانًا أخرى. فكل مرحلة تحمل درسها الخاص، وكل تجربة تضيف قيمة مختلفة إلى رصيد الوعي. وهنا يظهر دور العقل الواعي الذي يرتّب الأشياء في مواضعها الصحيحة، فيُدرك ما يستحق الاهتمام، وما يجب تجاوزه، وما يمكن تأجيله دون شعور بالقلق أو الندم.

 

إن حضور العقل الواعي لا يعني امتلاك إجابات جاهزة، بل امتلاك قدرة على طرح الأسئلة الصحيحة في الوقت المناسب. فالفلسفة، في جوهرها، ليست اسمًا ولا مصطلحًا، بل هي معنى ناضج ناتج عن صقل العقل، ونجاحه في الوصول إلى تقدير متوازن للأشياء، بعيدًا عن التهويل أو التبسيط. هي تلك الحالة التي يدرك فيها الإنسان أن الحياة لا تُفهم دفعة واحدة، وأن النضج الحقيقي يكمن في حسن التعامل مع تعقيداتها.

 

وفي نهاية المطاف، يصبح الإنسان الفلسفي الواعي أكثر سلامًا مع ذاته، وأكثر انسجامًا مع محيطه، لأنه تعلّم كيف يحوّل أفكاره إلى سلوك، وتجربته إلى معرفة، ومعرفته إلى وعيٍ يقوده نحو حياة أكثر اتزانًا وعمقًا .