النهار
بقلم - حذامي محجوب
في لحظة دولية مضطربة، تتقاطع فيها الأزمات الجيوسياسية مع الانقسامات الاقتصادية وتآكل الثقة بين الدول، لم تعد الدبلوماسية فعلًا بروتوكوليًا أو ترفًا سياسيًا، بل أداة إنقاذ في عالم يوشك على فقدان بوصلته. في هذا السياق، برز الدور السعودي بوصفه استثناءً لافتًا، ليس من حيث النفوذ فحسب، بل من حيث طريقة توظيفه، وحدود استخدامه، والغاية التي يُسخَّر من أجلها.
ما يميّز الدبلوماسية السعودية اليوم أنها لا تُدار بمنطق ردود الأفعال ولا بمنهج التصعيد، بل بعقل الدولة التي تُدرك أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بحجم الضجيج، بل بقدرة الفعل الهادئ على تغيير مسارات معقدة. فالرياض لا تدخل الأزمات بوصفها طرفًا يبحث عن مكسب سريع، بل كفاعل يسعى إلى إعادة ترتيب المشهد، وضبط إيقاع التوتر، وفتح نوافذ للحوار حين تُغلق الأبواب.
هذا النهج لم يأتِ من فراغ. فمنذ تأسيس الدولة السعودية الحديثة، تشكّل وعي سياسي قائم على احترام السيادة، والالتزام بالكلمة، وبناء العلاقات على قاعدة المصالح المتبادلة لا الإملاءات.إرث تطوّر مع الزمن، دون أن يفقد جوهره، ليجد اليوم ترجمة عملية في سياسة خارجية أكثر نضجًا وجرأة في آن واحد.
في عالم يعاني من أزمة وسطاء، اكتسبت المملكة ثقة متزايدة كمساحة آمنة للحوار، لا لأنها محايدة بالمعنى السلبي، بل لأنها تمارس ما يمكن تسميته بالحياد المسؤول ، حياد لا يتجاهل الوقائع، ولا ينحاز للأطراف، بل يُوازن بين المصالح ويبحث عن الممكن السياسي.هذا النهج هو ما يفسّر قبول أطراف متعارضة بالجلوس على طاولة واحدة برعاية سعودية، في وقت فشلت فيه دول أخرى .
وقد أشار هنري كيسنجر، في أكثر من مناسبة، إلى أن الاستقرار العالمي لا تصنعه الشعارات الأخلاقية وحدها، بل الدول القادرة على فهم توازنات القوة وإدارة الاختلافات بعقل بارد. وهو توصيف ينطبق إلى حد بعيد على المقاربة السعودية التي تجمع بين الواقعية السياسية والالتزام بالمسؤولية الدولية.
الأهم أن هذا الدور الدبلوماسي لم يعد منفصلًا عن المسار التنموي الداخلي، بل أصبح جزءًا من رؤية شاملة تربط الاستقرار بالنمو، والسلام بالاستثمار، والهدوء السياسي بازدهار المجتمعات. فـ"رؤية السعودية 2030" لم تُصغ بوصفها مشروعًا اقتصاديًا معزولًا، بل كإطار يُعيد تعريف موقع المملكة في العالم: شريك موثوق، لا لاعبًا مقلقًا، جسر تواصل، لا ساحة صراع.
من هنا، لم تعد الدبلوماسية السعودية تُقاس بعدد البيانات أو كثافة الحضور الإعلامي، بل بقدرتها على تحقيق نتائج تراكمية، وبناء مسارات طويلة النفس، تحترم تعقيد النزاعات بدل تبسيطها، وتسعى إلى حلول قابلة للحياة بدل انتصارات شكلية.
كما يبرز البعد القيادي في هذا التحول بوضوح. فمع صعود جيل جديد من صناع القرار بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أعادت المملكة صياغة أدواتها الدبلوماسية، وربطت السياسة الخارجية بالقرار السيادي الواضح، وبأهداف استراتيجية بعيدة المدى. مقاربة لا تراهن على استنزاف الخصوم، بل على إدارة التناقضات، ولا تبحث عن الاصطفاف الحاد، بل عن توسيع هامش الحركة.
وقد لخّص ونستون تشرشل ذات يوم جوهر السياسة الناجحة بقوله إن "الدبلوماسية هي فن قول لا بطريقة تجعل الطرف الآخر ينتظر نعم" .وهي عبارة تعكس بدقة فلسفة العمل السعودي: وضوح بلا استفزاز، وحزم بلا قطيعة، وانفتاح محسوب لا يفرّط في المصالح.
في زمن تتراجع فيه فعالية القوة الصلبة، وتتعاظم كلفة الصدام، تقدّم السعودية نموذجًا مختلفًا لدور الدولة المفاوضة والراعية للحوار : قوة توازن لا قوة استقطاب، لاعب عقلاني في ساحة يغلب عليها التشنج، وصانع مسارات هادئة في عالم يزداد ضجيجًا.
هكذا، لم تعد الرياض مجرّد عاصمة سياسية أو اقتصادية، بل تحوّلت إلى منصة توازن في النظام الدولي، وإلى عنوان لدبلوماسية تؤمن بأن الحكمة ليست في رفع الصوت، بل في معرفة متى يُقال، وكيف، ولماذا؟.