الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ يناير-٢٠٢٦       15840

بقلم ـ سهام ورقنجي

لم يعد النضج في بيئات العمل مرتبطًا بطول التجربة أو عدد السنوات بل أصبح انعكاسًا مباشرًا لمدى فهمنا للعلاقات الإنسانية وقدرتنا على التواصل باحترام وإدراكنا أن الرقي الحقيقي لا يُفرض بل يُمارس

لقد تعلّمنا مع الزمن أن العمل ليس ساحة صراع ولا منصة لإثبات الهيمنة بل مساحة مشتركة تتطلب وعيًا أخلاقيًا وذوقًا في الحديث وأناقة في الأسلوب ومرونة في الاختلاف

فالرأي حين يُفرض يفقد قيمته والسلطة حين تُمارس بلا إنسانية تتحول إلى عبء حتى لو حققت نتائج كبيره

إن فنّ التعامل في بيئة العمل يقوم على مبدأ بسيط وعميق في آنٍ واحد: الاحترام المتبادل احترام الفكرة قبل صاحبها

واحترام الاختلاف باعتباره إثراءً لا تهديدًا 

واحترام الإنسان لكونه إنسانًا لا مجرد أداة 

وفي العمل التطوعي على وجه الخصوص تتجلى أهمية هذا الفن بوضوح أكبر

فالمتطوع لا تحرّكه مصلحة مادية ولا يُدار بالأوامر الجافة 

بل تُدار جهوده عبر التقدير والتحفيز والتواصل الراقي

وأي محاولة للاستبداد أو فرض الرأي في هذا المجال تُفقد العمل روحه وتحوّل العطاء إلى عبء نفسي وتنفر الكفاءات بدل أن تحتضنها 

الرقي في التواصل لا يعني المجاملة الزائدة ولا التنازل عن المبادئ بل يعني اختيار الأسلوب الإنساني في إيصال الرأي والقدرة على الحوار والنقاش دون تجريح والاختلاف دون خصومة

هو أن نُحسن الإصغاء كما نُحسن الحديث وأن ندرك أن قوة الفكرة لا تحتاج إلى رفع الصوت

كما أن التواصل الاجتماعي الراقي بين الأفراد والمؤسسات يشكّل حجر الأساس لبناء مجتمع متماسك ومتعاون

فحين تسود لغة الاحترام وتُدار الخلافات بعقلانية يصبح العمل المشترك أكثر إنتاجًا وتتحول الجهود الفردية إلى إنجازات جماعية مستدامة

لقد أصبحنا اليوم أكثر واقعية ومنطقية في تعاملاتنا وأكثر وعيًا بأن النضج لا يعني القسوة وأن الحزم لا يتناقض مع اللطف وأن القيادة الحقيقية تُقاس بقدرتنا على الاحتواء لا السيطرة

فنّ التعامل ليس مهارة ثانوية بل قيمة أخلاقية وسلوك حضاري تُبنى به العلاقات وتُصان به الجهود ويُرتقى به بالعمل والإنسان معًا