النهار السعودية

٠٨ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٠٨ يناير-٢٠٢٦       8800

بقلم - عبدالله الكناني
لم يعد المشهد اليمني يحتمل مزيدًا من الأقنعة، ولا مزيدًا من التذاكي السياسي الذي يُدار على حساب وطنٍ أنهكته الحروب والانقسامات. 
فمع توالي الأحداث وتسارع الوقائع، تتكشف خيوط لعبة خطِرة يدفع ثمنها اليمن أرضًا وإنسانًا، وتُدار على حساب أمن الجوار ووحدة المصير العربي.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز اسم عيدروس الزبيدي، المصنَّف خائنًا ملاحقا وفق قرار المجلس الرئاسي اليمني، بوصفه نموذجًا صارخًا لتحويل “القضية” إلى مطية، و”التمثيل” إلى تجارة سياسية، و”التحالفات” إلى صفقات هروب ومصالح شخصية ضيقة.
وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن تحالف دعم الشرعية في اليمن، فإن الزبيدي لم يستجب لطلب الحضور إلى المملكة العربية السعودية خلال المهلة المحددة، للجلوس مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي وقيادة التحالف، ومناقشة أسباب التصعيد العسكري الذي أقدمت عليه القوات التابعة لما يُسمّى بالمجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة. 
وبدلًا من تحمّل المسؤولية السياسية، لجأ إلى سلوك مشين تمثّل في نقل الأسلحة إلى محافظة الضالع، وتوزيع بعضها على المواطنين، في تصرّف لا يمكن وصفه إلا عبثًا بالأمن، واستخفافًا بالدولة، قبل أن يختار الهروب، في مشهد لا يصدر عن قائد يحمل همّ شعب، بل عن مشروع مأزوم يبحث عن النجاة الشخصية ولو على حساب وطنٍ التحم والتفّ حول قيادته قولًا وعملاً، بتقدير واضح للتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية.
وتفاصيل هذا الهروب، كما أوردها المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، تكشف عن مسار مريب بحريًا وجويًا، وتعطيل متعمّد لأنظمة التعريف، وتنقّل عبر مناطق صراع، وصولًا إلى مطار عسكري خارج اليمن. 
وهي وقائع، كما وردت في البيانات، لا يمكن قراءتها باعتبارها تصرفًا فرديًا معزولًا، بل تعكس شبكة دعم وتنسيق، وتفتح باب الأسئلة الكبيرة حول الجهات التي ما زالت ترى في الميليشيات والانشقاقات أداة لتحقيق مصالح ضيقة، ولو على حساب استقرار اليمن والمنطقة وأمن الجوار.
والأخطر من الهروب ذاته، ما سبقه وما رافقه من تصعيد عسكري، وتقويض لسلطة الدولة، ومحاولات فرض أمر واقع بالقوة في مناطق شديدة الحساسية، في وقت يحتاج فيه اليمن إلى التهدئة، وترميم الثقة، ووقف نزيف الداخل، لا إلى فتح جبهات داخلية جديدة لا تخدم إلا أعداءه الحقيقيين.
وفي المقابل، تقف المملكة العربية السعودية، كما أثبتت السنوات الماضية، في موقع مختلف تمامًا. 
فبينما تتهاوى مشاريع التفتيت والانقسام، *تواصل الرياض* العمل على تهيئة الظروف لجمع كلمة اليمنيين، ودعم المسار السياسي، ورعاية الحوارات، بما في ذلك السعي لعقد مؤتمر جنوبي شامل، لا لشرعنة الانقسام، بل لبحث حلّ القضية الجنوبية ضمن إطار الدولة اليمنية الواحدة، وبما يضمن الحقوق دون هدم الكيان أو تمزيق الجغرافيا.
والفرق هنا شاسع وواضح: بين من يستثمر في الدولة، ومن يستثمر في الميليشيا؛ بين من يراهن على الحوار والعقل، ومن يراهن على السلاح والفوضى؛ بين من يتحمّل كلفة الاستقرار، ومن يفرّ عند أول اختبار سياسي حقيقي.
والمؤلم في هذا المشهد أن بعض “الأشقاء”، كما تشير الوقائع المتداولة، ما زالوا يقدّمون دعمهم لمشاريع الانشقاق، إما بدافع مصالح آنية، أو بأحلام وخطط شاطحة ثبت فشلها في أكثر من بقعة حول العالم، أو بحسابات قصيرة النظر لا ترى أبعد من اللحظة. 
غير أن التجربة أثبتت، بلا استثناء، أن الميليشيات لا تصنع استقرارًا، وأن تفتيت الدول لا يحمي أحدًا، وأن النار التي تُشعل في بيت الجار سرعان ما تمتد لتطال الجميع.
اليمن ليس ساحة تصفية حسابات، ولا ورقة تفاوض إقليمية، ولا غنيمة حرب. 
اليمن بلد عربي شقيق، وأمنه من أمن محيطه، واستقراره ركيزة أساسية من ركائز أمن المملكة العربية السعودية، وأمن البحر الأحمر وبحر العرب، وكل محاولة لتمزيقه هي طعنة في خاصرة المنطقة بأكملها.
ما جرى ويجري يؤكد حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: من يهرب لا يقود، ومن يساوم على وطنه لا يمثل شعبه، ومن يتغذى على الفوضى لا يمكن أن يكون جزءًا من الحل. 
أما الرياض، وبرغم كل التعقيدات، فما زالت تحاول الإمساك بخيط العقل، وجمع المتخاصمين على طاولة واحدة، في وقت يفرّ فيه قادة الميليشيا إلى العتمة.
سيكتب التاريخ، دون تردد، أن هناك من اختار الدولة، وهناك من اختار الشيطان… والفرق بين الخيارين هو الفرق بين وطن يُبنى، ووطن يُباع.