النهار

٣١ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ ديسمبر-٢٠٢٥       17655

بقلم _ الدكتور محمد الحقيب الغامدي

نظرية ( الالتهام الذاتي ) حين يصوم الجسد ليحيا .

لم يكن الجوع في تاريخ الانسان ضعفا كما تصوره الحياة الحديثة . 
بل كان لحظة وعي هادئة يستعيد فيها الجسد توازنه وتلتقط فيها الخلايا انفاسها . ومع تسارع العلم جاء اكتشاف العالم الياباني [ يوشينوري أوسومي ] ليكشف عن حقيقة مدهشة تسمى الالتهام الذاتي وهي عملية فطرية تقوم فيها الخلايا بتنظيف نفسها
والتخلص من التالف حين يمنح الجسد فترة انقطاع عن الطعام .
هذه النظرية بلغة بسيطة تقول ان الامتناع المؤقت عن الاكل ليس تعطيلاً للجسم بل اعادة تشغيل له .
ففي غياب الامتلاء المستمر تبدأ الخلايا بتفكيك ما فسد فيها وتعيد تدوير ما يمكن اصلاحه فتقوى وتستعيد كفاءتها .
انه نظام دقيق يعمل في صمت عميق لكنه يصنع فرقا عظيما في صحة الانسان .
وهنا يقف المسلم وقفة تأمل لا دهشة فالاسلام لم ينتظر
 المختبر ليعلم الانسان قيمة التخفف بل قرر هذا المنهج منذ قرون حين شرع الصيام لا بوصفه حرمانا بل عبادة متكاملة تجمع بين تزكية الروح وصيانة الجسد قال الله تعالى ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) 
فالتقوى ليست معنى روحياً مجرداً بل ميزان شامل يضبط الشهوة ويهذب السلوك ويعيد للانسان انسجامه مع فطرته .
وجاء في الأثر ( بحسب ابن ادم لقيمات يقمن صلبه ) فالاسلام لا يدعو الى التجويع ولا يرضى بالاسراف بل يضع الانسان على خط الاعتدال حيث تتحقق السلامة .
 فالصيام فرضا ونفلا يدرب الجسد على الصبر ويمنحه فترات راحة حقيقية تتيح له ان يصلح نفسه من الداخل كما تتيح للنفس ان تتحرر من سلطان العادة .
وحين نضع نظرية الالتهام الذاتي في ميزان الاسلام ندرك ان الشريعة لم تكن يوما بعيدة عن مصلحة الانسان بل سباقة اليها جاء العلم اليوم ليكشف الالية ويشرح كيف تنظف الخلايا نفسها وجاء الاسلام من قبل ليضع التشريع الذي يهيئ لهذا الاصلاح ان يحدث في اوقات محددة وبحكمة متوازنة حقا .
إن احكام الصيام في الاسلام ليست مجرد امتناع عن الطعام والشراب بل نظام حياة يعلم الانسان متى ياخذ ومتى يترك متى يشبع ومتى يخفف حتى لا تطغى المادة على الروح ولا يرهق الامتلاء الجسد .
وفي هذا التوازن تتحقق العافية توازنا عميقا ويستعيد الانسان انسانيته جسدا وروحا معا .
وهكذا يثبت الاسلام مرة اخرى انه دين الفطرة ودين الرحمة ودين المعرفة العميقة بالانسان قبل ان يعرف الانسان نفسه فما اكتشفه العلم حديثا لم يكن غائباً عن هدي الشريعة وانما كان حاضراً في تشريعاتها ينتظر من يكتشف حكمته ويفهم جماله تماما .