النهار
بقلم - اللواء . م. عبدالله الحارثي
لم تكن مقولة الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – عن الصبر تعبيرًا عابرًا عن لحظة غضب، بل توصيفًا دقيقًا لفلسفة دولةٍ بُنيت على الحِلم لا الضعف، وعلى الصبر لا العجز. صبرٌ طويلٌ أسيء فهمه أحيانًا، حتى ظنه القريب ترددًا، وحسبه البعيد خوفًا، بينما هو في حقيقته قراءة واعية للزمن، وإدارة متأنية للخصومة.
منذ تأسيس هذه الدولة المباركة، اختارت المملكة العربية السعودية أن تجعل حسن النوايا سياسة، وإقالة العثرات نهجًا، وتغليب الأخوّة مسارًا في تعاملها مع محيطها العربي والإسلامي. صبرت على خصوماتٍ مُعلنة، وتجاوزت عن دسائس خفية، وراهنت على العقل والحكمة أكثر من الرّد، إيمانًا بأن الصبر يكشف الخصوم، وأن الزمن كفيل بإظهار الحقائق دون ضجيج.
وفي سجلّ التاريخ شواهد كثيرة على إساءات جهر بها البعض، ومؤامرات حيكت في الخفاء، ومع ذلك كفّ الله عن هذه البلاد شرورًا عظيمة، لا لقوة السلاح وحده، بل لصدق النية، ونُبل المقصد، وحبٍ صادقٍ للعرب والمسلمين والإنسانية . فبقيت السعودية شامخة رغم كثرة الاستهداف، ثابتة رغم تغيّر التحالفات، لأنها لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على ثوابت دولة.
غير أن للصبر نهاية. فالسعودية حين تغضب لا تُكثر الكلام، وحين تتحرك لا تُخطئ الهدف. ردّها لا يكون انتقامًا، بل حسمًا، ولا يكون فوضويًا، بل محسوبًا بميزان الدولة ومسؤوليتها. حتى في ذروة الخصومة، تحتفظ بنُبلها، وتُوجِع أعداءها بقوتها، لا بتجاوزها.
وهنا تُفهم المقولة الخالدة على حقيقتها: الصبر السعودي ليس ضعفًا، بل سياسة دولة. ونفاده ليس انفلاتًا، بل قرار سيادي. ومن يخطئ قراءة هذا الصبر، لا يكتشف الحقيقة إلا متأخرًا
لواء م عبدالله ثابت العرابي الحارثي