النهار

٢٧ ديسمبر-٢٠٢٥

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٧ ديسمبر-٢٠٢٥       21890

بقلم ـ طارق محمود نواب 

لم يَعُد السؤال اليوم هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي العالم؟

لكن السؤال الأعمق والأكثر إرباكًا، ماذا سيفعل بالعقل الذي اعتاد أن يقود العالم؟

فالمثقّف ، بوصفه ضمير الأسئلة وحارس المعنى، يقف الآن أمام مرآة غير مألوفة، مرآة لا تعكس وجهه فقط، بل تُحاكي تفكيره،وتُجيد لغته، وتستعيد ذاكرته في ثوانٍ.

وفي منعطفٍ لم تعرفه التجربة البشرية من قبل..

يكتشف أنه لم يعد وحده في غرفة الأفكار، فالذكاء الاصطناعي لا ينازع المثقّف على المعلومة، بل يضغط على خاصرته الأضعف، ألا وهي التميّز.

فما كان يُحسب جهدًا نادرًا، صار رهن الطلب، لا ثمرة التفكير، وما كان يحتاج عمرًا من التكوين، أصبح نتيجة خوارزمية.

ومن هنا ينقسم المشهد الثقافي إلى قسمين، فمنهم من سيخاف وينسحب، ومنهم من سينبهر، فينقاد للموجة دون بصيرة.

وقليلون جدًا فقط فهموا أن المعركة ليست بين إنسان وآلة، بل بين ثقافة حيّة وثقافة آلية.

فالمثقّف الحقيقي لا يُقاس بما يعرف، فالمعرفة اليوم متاحة للجميع، بل بما يُحسن طرحه، وبقدرته على تحويل المعلومة إلى معنى، والسرعة إلى تأمّل، والإجابة الجاهزة إلى سؤالٍ مؤرِق.

فصحيحٌ أن الذكاء الاصطناعي يكتب، لكنّه لا يتألم.

يحلّل، لكنّه لا يشكّ.

يستنتج، لكنّه لا يندم.

وكل ثقافةٍ بلا شكّ، بلا قلق، بلا توتّر وجودي، هي ثقافة بلا روح.

فالخطر ليس أن يكتب الذكاء الاصطناعي مقالًا، إنما الخطر الحقيقي أن يتنازل المثقّف عن دوره، ويكتفي بدور المصحّح أو المراقب أو المصفّق للتقنية.

وفي ظل هذا التحوّل الهائل، إمّا أن يستعيد المثقّف وظيفته الأولى كصانعٍ للأسئلة، لا حارسٍ للإجابات، أو يذوب تدريجيًا في زحام النصوص المتشابهة حيث لا صوت يُميَّز… ولا فكرة تُقترن باسم.

فالذكاء الاصطناعي أداة مذهلة، لكن الثقافة قرار، والوعي مسؤولية.

والإنسان مهما تطوّرت الآلات هو الكائن الوحيد القادر على أن يقول "هذا النص صحيح… لكنه بلا حياة".

وهنا فقط، يعود المثقّف إلى موقعه الطبيعي، لا في مواجهة الذكاء الاصطناعي، بل في توجيهه، وتهذيبه، ومنعِه من اختطاف المعنى.

فالمستقبل لن يكون للأذكى تقنيًا، بل لمن بقي أكثر إنسانية.

ويخطئ من يظن أن الذكاء الاصطناعي يهدد الفكر، إنه يهدد الكسل الفكري فقط.

فالعقل الذي كان يعتمد على التراكم دون تمحيص سيسقط أمام آلة تحفظ أكثر منه، أمّا العقل الذي درّب نفسه على الرؤية والربط والمساءلة فسيولد من جديد في قلب هذه الفوضى الرقمية.

وسيكون المثقّف القادم أقلَّ ادّعاءً بالمعرفة، وأكثر شغفًا بالحكمة، وأشدَّ قلقًا من الإجابات السهلة، وأعمق وفاءً للسؤال بوصفه طريقًا لا نهاية له.

ولهذا، لا يُطلَب من المثقّف أن ينافس الآلة، بل أن يذكّر العالم بما لا تستطيع الآلة تذكّره.

بأن يعيد للمعنى كرامته، وللسؤال هيبته، وللفكر قلقه النبيل.

فحيث تُنتَج النصوص بلا روح، تُستدعى الحاجة إلى إنسان يرى أبعد من الشاشة.

والمستقبل لا يحتاج مثقّفًا أسرع، بل مثقّفًا أصدق… وأشد وعيًا بإنسانيته.