النهار
بقلم ـ ريماس الصينية - صحفية في CGTN الصينية
مع وصول مؤشر الزمن إلى نهاية عام 2025، تظهر ملامح مسار واضح ومتين في العلاقات الصينية العربية خلال هذا العام. فمن سواحل البحر الأحمر إلى ضفتي الخليج، تمضي الصين والعالم العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية بوصفها شريكًا محوريًا، في دفع الشراكة الاستراتيجية الشاملة إلى مستويات جديدة من التوافق والكفاءة، مستندين إلى خمسة وثلاثين عامًا من الصداقة الراسخة. ويأتي هذا العام متزامنًا مع الذكرى الخامسة والثلاثين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين والسعودية، وهي مناسبة لا تمثل بداية جديدة بقدر ما تشكّل محطة بارزة تعكس الارتقاء النوعي في مستوى العلاقات.
شهد عام 2025 انسجامًا غير مسبوق في القيادة العليا والثقة الاستراتيجية المتبادلة. ففي مطلع العام، بعث الرئيس الصيني شي جين بينغ برسالة تهنئة إلى اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة، واضعًا إطارًا عامًا قوامه الدعم المتبادل والسير المشترك. ومع اقتراب نهاية العام، جاءت زيارة الحوار والتشاور مع الدور البنّاء الذي تضطلع به السعادة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى السعودية والإمارات لتجسّد هذا التوجه على أرض الواقع بأسلوب عملي وفعّال. ففي الرياض، لم تقتصر المباحثات على استعراض حصيلة خمسة وثلاثين عامًا من الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بل أظهرت أيضًا مستوى أعلى من الدعم المتبادل في القضايا ذات المصالح الجوهرية للطرفين. كما تلاقت الرؤية الصينية القائمة على ودية في القضايا الإقليمية، ما أسهم في تعزيز آفاق الاستقرار وإيجاد توقعات أكثر وضوحًا لمعالجة الملفات المعقدة.
أما على الصعيد الاقتصادي والصناعي، فقد تحقّق انتقال نوعي من التعاون الواسع إلى الاندماج الدقيق القائم على التكامل. ولا تزال الشراكة في مجال الطاقة تشكّل قاعدة صلبة للعلاقات، غير أن أنظار الجانبين اتجهت بشكل متزايد نحو القطاعات التي تمثل مستقبل التنمية. وفي ظل التفاعل العميق بين مبادرة الحزام والطريق ورؤية السعودية 2030، برزت مجالات مثل الطاقة الجديدة، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الحيوية ضمن أولويات التعاون. ومن التوافقات التي أُعلن عنها في الاجتماعات الوزارية بشأن توسيع التعاون في القطاعات الناشئة، إلى الاتفاقيات التي أبرمتها مدن صينية مع شركات سعودية حول مشاريع محددة، تبلور ملامح نموذج جديد للتعاون الاقتصادي، يقوم على الابتكار المشترك وبناء القدرات. ويعكس ذلك انتقال العلاقات من منطق التكامل القائم على العرض والطلب، إلى شراكة تنموية تتقاسم المعرفة والعوائد التكنولوجية.
وعلى الساحة المتعددة الأطراف وفي إطار الحوكمة العالمية، شهد مستوى التنسيق والتعاون توسعًا ملحوظًا من حيث العمق والاتساع. ففي مواجهة التحديات العالمية، حافظت الصين والدول العربية على تواصل وثيق داخل الأطر المتعددة الأطراف، وعملتا معًا من أجل صون اقتصاد عالمي منفتح قائم على القواعد. ويكتسب التخطيط المشترك للمستقبل أهمية خاصة في هذا السياق، إذ تدعم السعودية بقوة استضافة الصين للقمة الصينية العربية الثانية في عام 2026، فيما أكدت الصين مشاركتها الفاعلة في إكسبو الرياض 2030. ويعكس هذا التوافق في الأجندات الدبلوماسية الكبرى مستوى متقدمًا من التنسيق الاستراتيجي، ويوفر أساسًا متينًا لمرحلة جديدة من التعاون المستقبلي.
وفي البعد الإنساني والاجتماعي، أضفت التفاعلات الشعبية والثقافية طابعًا أكثر دفئًا ومرونة على الشراكة الاستراتيجية. فخلال زيارة وزير الخارجية الصيني إلى السعودية، وقّع الجانبان اتفاقية الإعفاء المتبادل من التأش
يرات لحاملي أنواع محددة من جوازات السفر، ما شكّل خطوة عملية لتسهيل حركة الأفراد وفتح آفاق أوسع للتبادل الإنساني. كما أسهمت الفعاليات والمعارض المتنوعة ضمن إطار أول عام ثقافي صيني سعودي في تعزيز التفاهم المتبادل بين الشعبين، من خلال التفاعل في مجالات الفن والتكنولوجيا والمعرفة. وتشكل هذه الروابط الثقافية، إلى جانب التعاون الاستراتيجي الصلب، أساسًا متينًا لجسر ثقة يصعب زعزعته.
ومع الوقوف عند نهاية عام 2025 واستشراف المرحلة المقبلة، يتضح أن العلاقات الصينية العربية قد دخلت فصلًا جديدًا. فقد تبلورت صيغة شراكة متعددة الأبعاد تجمع بين محركات التحول نحو العصرنة، ودعائم الاستقرار في عالم يشهد تحولات متسارعة، وشراكة فكرية تقوم على الحوار الحضاري واستكشاف مسارات جديدة لمستقبل الإنسانية. ومع اقتراب انعقاد القمة الصينية العربية الثانية في عام 2026، تبدو العلاقات القائمة على خمسة وثلاثين عامًا من الإنجازات المتراكمة مهيأة لافتتاح مرحلة استراتيجية جديدة، أكثر قدرة على التأثير وأكثر حضورًا كنموذج مرجعي في العلاقات الدولية.